الموقف العصيب في المشهد العظيم..!
باسم الله أبدأ حامداً مستعيناً به تعالى.
هذا المشهد هو ما أرجأت الحديث عنه في المقال السابق..
وهذا أوان الشروع فيه سائلاً الله لي ولك الهدى والتقى والسداد..
حين توقف بنا الحديث عند اجتماع الأحبة في اللقاء الأول هناك في رياض الجنة..!!
كنا نتمثل نعيم الجنة، وسرور أهلها بما أكرمهم الله به على ضوء آيات الذكر الحكيم..!
فهل نظن أن الفوز بذلك النعيم ، والنجاة من عذاب الجحيم جاء عفواً بلا جهد وبلا ثمن.. ؟!
أم هل أصابتنا الغفلة عما قبله من الموقف العصيب الذي يزلزل القلوب تصوره وذكره، فكيف برؤيته وشهوده..!
ألم يعظنا ربنا سبحانه بقوله: { وَٱتَّقُوا۟ یَوۡمࣰا تُرۡجَعُونَ فِیهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسࣲ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا یُظۡلَمُونَ }.
هناك والخلق قيام في مشهد يرون مصداق قول الله عز وجل فيه: {یَوۡمَ یَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِیهِ • وَأُمِّهِۦ وَأَبِیهِ • وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِیهِ • لِكُلِّ ٱمۡرِئࣲ مِّنۡهُمۡ یَوۡمَىِٕذࣲ شَأۡنࣱ یُغۡنِیهِ }.
ويرون جهنم حين "يؤتي بها تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها،"
وصف الله حالها حينذاك فقال : { إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِیدࣲ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَیُّظࣰا وَزَفِیرࣰا}..!
ثم تزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه..!
والخلق في كرب الموقف، والعرق بلغ من بعضهم الآذان!
ثم نصبت الموازين..{فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَ ٰزِینُهُۥ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ • وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَ ٰزِینُهُۥ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ خَسِرُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ فِی جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ • تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِیهَا كَـٰلِحُونَ }.
وخرست الألسن، وشخصت الأبصار، وتطايرت الصحف، فآخذٌ باليمن و آخذٌ بالشمال..
ليت شعري من أيّ الفريقين نحن ساعتها..!!
إنه المشهد العظيم للحساب، ثم يصير كل إنسان إلى دار الجزاء، فإما سعيد خالد في جنات النعيم، وإما شقي والعياذ بالله مخلد في نار الجحيم.
إنه اليوم الذي قال الله تعالى عنه: { وَٱتَّقُوا۟ یَوۡمࣰا لَّا تَجۡزِی نَفۡسٌ عَن نَّفۡسࣲ شَیۡـࣰٔا وَلَا یُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلࣱ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةࣱ وَلَا هُمۡ یُنصَرُونَ }.
فهل يمكننا أن نتخيل حال أحد هؤلاء الأشقياء نودي عليه من ذلك الجمع، فأُخِذ بتلابيبه ليقذف به في النار.. فصرخ.. ياليتني كنت تراباً!
فهل ينفعه ندمه، أو يشفع له أحد؟
وقد قال الله عز وجل:{ لِلَّذِینَ ٱسۡتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِینَ لَمۡ یَسۡتَجِیبُوا۟ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡا۟ بِهِۦۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ سُوۤءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ }.
ألا إن الموقف بين يدي الله عظيم،
موقف تنطق فيه الأيدي والأرجل وتشهد بالأعمال، فمن له حجة تخلصه في موقف يقول الله عنه: {ٱلۡیَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰۤ أَفۡوَ ٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَاۤ أَیۡدِیهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ یَكۡسِبُونَ}.
فلنتدبر مواعظ القرآن عن هذا الموقف العصيب لعل الله أن ينفعنا بها، وأن يعيننا على التزود من طاعته سبحانه، والعمل الصالح الذي يكون لنا حجة ونجاة يوم نلقاه.!
فإن تعالى يقول مذكراً عباده المؤمنين ومرغباً لهم فيما أعد لهم من النعيم، وممتناً عليهم:{ ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِینَ ٱصۡطَفَیۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدࣱ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَیۡرَ ٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِیرُ • جَنَّـٰتُ عَدۡنࣲ یَدۡخُلُونَهَا یُحَلَّوۡنَ فِیهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبࣲ وَلُؤۡلُؤࣰاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِیهَا حَرِیرࣱ • وَقَالُوا۟ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِیۤ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورࣱ شَكُورٌ • ٱلَّذِیۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا یَمَسُّنَا فِیهَا نَصَبࣱ وَلَا یَمَسُّنَا فِیهَا لُغُوبࣱ }.
ثم يبين الله تعالى مصير الأشقياء فيقول: { وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا یُقۡضَىٰ عَلَیۡهِمۡ فَیَمُوتُوا۟ وَلَا یُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَ ٰلِكَ نَجۡزِی كُلَّ كَفُورࣲ • وَهُمۡ یَصۡطَرِخُونَ فِیهَا رَبَّنَاۤ أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَـٰلِحًا غَیۡرَ ٱلَّذِی كُنَّا نَعۡمَلُۚ أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا یَتَذَكَّرُ فِیهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاۤءَكُمُ ٱلنَّذِیرُۖ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّـٰلِمِینَ مِن نَّصِیرٍ }..
هنالك أدركوا قيمة العمل الصالح ، ولكن بعد فوات الأوان.!
أيها المؤمن:
من رحمة الله جل وعز وعدله أن جعل للنجاة من ذلك المصير أسباباً من أخذ بها نجا، ومن تركها هلك.!
فهل نتذاكرها معاً ؟
ونوليها اهتمامنا ما دمنا في دار التكليف والعمل؟
فإن الله قد بينها لنا في كتابه، وحثنا على الاجتهاد في تحصيلها رسوله صلى الله عليه وسلم.. ؟
هل نعرّج على بعضها تذكيراً ، ونصحاً لأنفسنا! ؟
ألم يعظنا ربنا سبحانه وتعالى بقوله: { وَٱتَّقُوا۟ یَوۡمࣰا تُرۡجَعُونَ فِیهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسࣲ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا یُظۡلَمُونَ }.
وقوله تعالى:{یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِیكُمۡ نَارࣰا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَیۡهَا مَلَـٰۤىِٕكَةٌ غِلَاظࣱ شِدَادࣱ لَّا یَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَاۤ أَمَرَهُمۡ وَیَفۡعَلُونَ مَا یُؤۡمَرُونَ }..
فطوقُ النجاة يومئذ هو الإيمان بالله والعمل الصالح..
هو التقوى بفعل المأمور وترك المحظور.
هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال جل وعلا: {وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِیۤ أُعِدَّتۡ لِلۡكَـٰفِرِینَ • وَأَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ • وَسَارِعُوۤا۟ إِلَىٰ مَغۡفِرَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِینَ}
ثم ذكر صفات المتقين وأعمالهم التي كانت سبباً لفوزهم بالنعيم ونجاتهم من عذاب الجحيم فقال تعالى: {..ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ فِی ٱلسَّرَّاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ وَٱلۡكَـٰظِمِینَ ٱلۡغَیۡظَ وَٱلۡعَافِینَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ • وَٱلَّذِینَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ یُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ • أُو۟لَـٰۤىِٕكَ جَزَاۤؤُهُم مَّغۡفِرَةࣱ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّـٰتࣱ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَـٰمِلِینَ }.
ونِعم أجر العاملين..!
فلابد من تصديق الإيمان بالعمل، وتلك حقيقة التقوى، يقول الله تعالى:{..لِلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتࣱ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَا وَأَزۡوَ ٰجࣱ مُّطَهَّرَةࣱ وَرِضۡوَ ٰنࣱ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِیرُۢ بِٱلۡعِبَادِ• ٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ إِنَّنَاۤ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ • ٱلصَّـٰبِرِینَ وَٱلصَّـٰدِقِینَ وَٱلۡقَـٰنِتِینَ وَٱلۡمُنفِقِینَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِینَ بِٱلۡأَسۡحَارِ}.
فهذه بعض أعمال المتقين، وأسباب نجاتهم، من قام بها وحقق إيمانه بإخلاص ويقين، وخوفٍ ورجاءٍ، وتوبة نصوحاً كان من المفلحين الفائزين بالخلود في جنات النعيم.
فمجاهدة النفس اليوم ومحاسبتها قبل يوم الحساب،
والمسابقة إلى الأعمال الصالحة، وتقوى الله عز وجل في السر والعلن.
وإخلاص العمل لله تعالى.
وسؤاله الهداية والعون على طاعته،
والإلحاح في الدعاء، وصدق التضرع إليه سبحانه..
كل ذلك من الأسباب التي تنجي من غضب الله وعقوبته، وتقرّب العبد من رضوان الله وجنته..
اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.، وأصلح لنا شأننا كله لا إله إلا أنت.
____________
١٤٤٧/٨/٢٩
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق