ترتيل القرآن…
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد! فإن ترتيل القرآن من أوائل ما أنزل الله عز وجل من القرآن، وأُمِر به نبيه صلى الله عليه وسلم في قول الله سبحانه: { یَـٰۤأَیُّهَا المُزّمّل • قُمِ ٱلَّیۡلَ إِلَّا قَلِیلࣰا • نِّصۡفَهُۥۤ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِیلًا • أَوۡ زِدۡ عَلَیۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِیلًا }.
فكان صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن مرتلاً مبيّناً مسترشداً بقول الله تعالى : {كَذَ ٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَـٰهُ تَرۡتِیلࣰا}.
وذلك هديه وطريقته صلى الله عليه وسلم في التلاوة، كما روى ذلك عنه جماعة من الصحابة، وسوف أذكر ما تيسر من أحاديثهم بعد بيان معنى الترتيل، وتفسير أهل العلم له.
فقول الله سبحانه وتعالى: {ورتّل القرآن ترتيلاً} قال الطبري:"أي: بيّن القرآن إذا قرأته تبيينًا، وترسل فيه ترسلاً."(١)
وقال ابن كثير رحمه الله: "قيل: اقرأه على تمهل فإنه يكون عوناً على فهم القرآن وتدبره". (٢)
وقال ابن عطية رحمه الله: "معنى (رتّل) في اللغة: تمهّل وفرّق بين الحروف، لتبين، والمقصد أن يجدَ الفكرُ فسحةً للنظر وفهم المعاني، وبذلك يرق القلب ويفيض عليه النور والرحمة".(٣)
فأما الأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الترتيل والأمر به، فمنها:
- حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كنا في سفر، فصلى العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا، أو قراءةً منه".(٤)
-وعنه أيضاً، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم" زيّنوا القرآن بأصواتكم".(٥)
- وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، قال: كاد قلبي يطير". (٦)
-وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما أذِن الله لشيءٍ ما أذِن لنبيٍ حسن الصوت بالقرآن".
وفي رواية"ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن.. ".(٧)
- وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن".(٨)
فهذا هو حال النبي صلى الله عليه وسلم في التلاوة من تحسين الصوت والجهر به..
وكذلك هو أمره للصحابة رضي الله عنهم، وحثه وترغيبه لهم في العناية بترتيل القرآن.
وقد اشتملت تلاوته صلى الله عليه وسلم للقرآن مع حسن الصوت الخشوع والبكاء، فاجتمع فيها الجمال والجلال، جمال الصوت، وحسن القراءة، وجلال الذكر المتلو، وجلال التالي وخشوعه صلى الله عليه وسلم، فقد كان ترتيله يأخذ بالقلوب ويشنّف الأسماع.
وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه أن يستمع القرآن من أصحابه، فقد قال مرّةُ لعبد الله بن مسعود: اقرأ عليّ. قال أقرأ عليك؟ وعليك أُنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت النساء حتى بلغت {فَكَیۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِیدࣲ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰۤؤُلَاۤءِ شَهِیدࣰا} قال: كفّ، أو أمسك. فرأيت عينيه تذرفان".(٩)
فكأنه صلى الله عليه وسلم قد قام في ذلك الموقف العظيم بين يدي الله جل وعز، فاستشعر الأمانة الملقاة عليه صلى الله عليه وسلم.!
فهكذا تكون الحياة مع القرآن تفكّر وتدبر وتفهّم لما يُتلى، وعمل بما فيه.
واستمع صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ إلى قراءة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، فقال: "يا أبا موسى: لقد أوتِيتَ مزمارًا من مزامير آل داوود" .(١٠)
وسبق في حديث سعد قوله صلى الله عليه وسلم :" ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن".
وقال أبو عبيد: "تحمل هذه الأحاديث التي ذكرناها في حسن الصوت، إنما هو طريق الحزن والتخويف والتشويق". ك( فضائل القرآن: ٢٢٦)
قال ابن بطّال رحمه الله: " معناه: الحض على تحسين الصوت به، والغناء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ به القرأن: هو الجهر بالصوت، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يُحسّن صوته، ويرجّع في تلاوته، فمن لم يفعل ذلك فليس بمتبع لسنته صلى الله عليه وسلم ولا مقتدياً به في التلاوة".(١١)
وقال ابن كثير رحمه الله:" المراد تحسين الصوت بالقرآن وتطريبه وتحزينه والتخشع به، كما قال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: " لو رأيتني وأنا أستمع إلى قراءتك البارحة، قال: قلت أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتي، لحبّرتها لك تحبيراً".( ١٢)
ثم قال رحمه الله: "والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه".(١٣)
فهكذا كانت تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن كما سبق أنها تلاوة مبيّنه مفصلّة كما وصف ذلك أنس رضي الله عنه فقال: " كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مدًا، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم".( ١٤)
ونعَتت أم سلمة رضي الله عنها قراءته صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعَتُ قراءةً مفسّرةً حرفاً حرفاً".(١٥)
وكان عليه الصلاة والسلام يُرجِّع في تلاوته أحياناً، كما في حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على ناقة له، يقرأ سورة الفتح، أو من سورة الفتح، قال: فرجّع فيها.
ثم قرأ معاوية رضي الله عنه يحكي قراءة ابن مغفل، وقال لولا أن تجتمع الناس عليكم لرجّعتك ما رجّع ابن مغفل يحكي النبي صلى الله عليه. فقلت لمعاوية كيف كان ترجيعه قال: آ آ آ ثلاث مرات".( ١٦)
وعلى ذلك فينبغي للمسلم التأسي بالنبي صلى الله وسلم في تحسين التلاوة تحسيناً غير مخلٍّ بآدابها، ولا خارج إلى مشابهة طريقة أهل الغناء مما ينزّه القرآن عنه..
وليتذكر قارئ القرآن أن منزلته في الجنة بحسب تلاوته كما جاء في حديث: عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارقَ ورتّل كما كنت تُرتِّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها".( ١٧)
قال ابن القيم: " وفصلُ النزاع في مسألة التغني بالقرآن، أن يقال: التطريب والتغني على وجهين.
أحدهما: ما اقتضته الطبيعة، وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين، بل إذا خُليّ وطبعه، واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز.
والوجه الثاني:
ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، ليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصّنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان .. لا يحصل إلا بالتعليم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها، ومنعوا القراءة بها ".(١٨)
فعلى تالي القرآن أن يحسّن ترتيله ما استطاع مما يوافق طبيعته.
وليعظّم كلام ربه جل وعلا عن أن يرائي به، وليستحضر أن الله سبحانه يستمع لتلاوته كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن"، وفي رواية" ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن". أي: ما استمع لشيء كاستماعه لذلك.
ولينزّه القرآن في التلاوة عن مشابهة أصحاب الغناء في طريقتهم.
ولتكن قراءته مرتلة مبينّة صحيحة، فإن أمكنه تحسين صوته في ترتيله دون تكلف فذلك خير. وبالله التوفيق.
١٤٤٧/٧/١٤
—---
١- جامع البيان.. ١٢٩/٢٩..
٢- تفسير القرآن العظيم: ٢٧٦/٨
٣- المحرر الوجيز: ٧٣٧/٩
٤-صحيح البخاري كتاب الأذان باب القراءة في العشاء( ٧٦٩)٢٤٩/١، ومسلم في الصلاة،باب القراءة في العشاء(٤٦٤/١٧٧)٣٣٩/١ح
٥-سنن أبي داود(١٤٨٦)١٥٥/١،
والنسائي(١٠١٦)،٧٩٢/٢، وابن ماجه(١٣٤٣)٤٢٦/١
٦-البخاري في التفسير(٤٨٥٤) ٢٩٧/٣
٧-البخاري في التوحيد(٧٥٤٤) ٤٢٥/٤، والرواية الثانية في فضائل القرآن باب من لم يتغن بالقرآن (٥٠٢٤) ٣٤٦/٤.
ومسلم في صلاة المسافرين باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن(٧٩٢)٥٤٥/١
٨- أبو داود(١٤٧٠)١٥٦/١، وأحمد: ١٧٢/١
٩-- البخاري،فضائل القرآن، باب البكاء عند قراءة القرآن(٥٠٥٥)٣٥٢/٣.
١٠-البخاري فضائل القرآن باب القراءة..( ٥٠٤٦) ٣٠٥/٣
١١- شرح صحيح البخاري: ٥٢٩/١٠
١٢- صحيح مسلم. (٧٩٣)
١٣- تفسير القرآن العظيم، فضائل القرآن: ص:٦٤،٦٣
١٤- البخاري( ٥٠٤٦)٣٥٠/٣
١٥- الترمذي(٢٩٢٣)١٦٧/٥
١٦-صحيح البخاري كتاب التوحيد،باب ذكر النبي وروايته عن ربه(٧٥٤٠)٤١٤/٤، ومسلم كتاب صلاة المسافرين، باب ذكر قراءة النبي.. ( ٧٩٤)٥٧٤/١
١٧- أبو داود في سننه(١٤٦٤)، والترمذي(٢٩١٤) وقال: حسن صحيح، وأحمد(٦٧٩٩)
١٨- زاد المعاد: ١٦٩/١