• تفسير قول الله :﴿..وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ• الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله أجمعين.
وبعد:
سوف أنقل كلام بعض أئمة التفسير عن معنى الآية، ثم أعقب بالتعليق على ذلك بما أراه مفيدا ..
اولاً:
ذكر كلام أهل التفسير لهذه الآية..
١- قال ابن جرير الطبري رحمه الله: "اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: معناه: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهرهم، وتزكي أبدانهم، ولا يوحدونه؛ وذلك قول يذكر عن ابن عباس.
* ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قال: هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله.
⁕ حدثني سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ : الذين لا يقولون لا إله إلا الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك:
الذين لا يقرّون بزكاة أموالهم التي فرضها الله فيها، ولا يعطونها أهلها..
⁕ وقد حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قال: لا يقرّون بها ولا يؤمنون بها. وكان يقال: إن الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك؛ وقد كان أهل الردّة بعد نبيّ الله قالوا: أما الصلاة فنصلِّي، وأما الزكاة فوالله لا تغصب أموالنا؛ قال: فقال أبو بكر: والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه؛ والله لو منعوني عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه.
⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قال: لو زَكَّوا وهم مشركون لم ينفعهم.
والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه:
لا يؤدّون زكاة أموالهم؛ وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن في قوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ دليلا على أن ذلك كذلك، لأن الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ مرادا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله لم يكن لقوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ معنى، لأنه معلوم أن من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي إتباع الله قوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ قوله ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما ينبئ عن أن الزكاة في هذا الموضع معنيّ بها زكاة الأموال.".(جامع البيان :٩٣،٩٢/٢٤)
٢- وقال ابن كثير رحمه الله :"قال ابن. كثير: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أَيْ: دَمَارٌ لَهُمْ وَهَلَاكٌ عَلَيْهِمْ،
﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ،
وَالْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: طَهَارَةُ النَّفْسِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، وَمِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ طَهَارَةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ.
وَزَكَاةُ الْمَالِ إِنَّمَا سُمِّيَتْ زَكَاةً لِأَنَّهَا تُطَهِّرُهُ مِنَ الْحَرَامِ، وَتَكُونُ سَبَبًا لِزِيَادَتِهِ وَبَرَكَتِهِ وَكَثْرَةِ نَفْعِهِ، وَتَوْفِيقًا إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الطَّاعَاتِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: لَا يَدِينون بِالزَّكَاةِ.
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: لَيْسَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَمْنَعُونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إِيجَابَ الزَّكَاةِ إِنَّمَا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَهَذِهِ الْآيَةُ مَكِّيَّةٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الزَّكَاةِ الصَّدَقَةَ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْبِعْثَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ، فَأَمَّا الزَّكَاةُ ذَاتُ النُّصُبِ وَالْمَقَادِيرِ فَإِنَّمَا بَيَّن أَمْرُهَا بِالْمَدِينَةِ، وَيَكُونُ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ".( تفسير القرآن العظيم: ١٥٣/٧)
٣- وقال السمعاني رحمه الله: "وَقَوله: ﴿وويل للْمُشْرِكين الَّذين لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ أَي: لَا يرَوْنَ الزَّكَاة وَاجِبَة عَلَيْهِم كَمَا يرَاهُ الْمُسلمُونَ. وَيُقَال: معنى الإيتاء هُوَ على ظَاهره، وَالْكَافِر يُعَاقب فِي الْآخِرَة بترك إيتَاء الزَّكَاة؛ لأَنهم مخاطبون بالشرائع. ذكره جمَاعَة من أهل الْعلم. وَقَالَ بَعضهم: لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة أَي: لَا يَفْعَلُونَ مَا يصيرون بِهِ أزكياء. وَقَالَ بَعضهم: لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة أَي: لَا يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله، قَالَ ابْن عَبَّاس، فِي رِوَايَة عَطاء، فعلى هَذَا مَعْنَاهُ: لَا يطهرون أنفسهم من الشّرك بِقبُول التَّوْحِيد. وَعَن قَتَادَة قَالَ: الزَّكَاة قنطرة الْإِسْلَام؛ فَمن قبلهَا نجا، وَمن ردهَا هلك. وَأما القَوْل الَّذِي قُلْنَاهُ إِنَّهَا الزَّكَاة بِعَينهَا، قَالَه الْحسن الْبَصْرِيّ وَجَمَاعَة."( تفسير القرآن;٣٧/٥ ).
٤- وقال عبد الحق بن عطية: "﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَكاةَ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: هي زَكاةُ المالِ، ورُوِيَ أنَّ الزَكاةَ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ، مَن قَطَعَها نَجا، ومَن جانَبَها هَلَكَ، واحْتُجَّ لِهَذا التَأْوِيلِ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في الزَكاةِ وقْتَ الرِدَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: الزَكاةُ في هَذِهِ الآيَةِ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ" التَوْحِيدُ، كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِفِرْعَوْنَ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾،
ويُرَجِّحُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ الآيَةَ مِن أوَّلِ المَكِّيِّ، وزَكاةَ المالِ إنَّما نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما هَذِهِ زَكاةُ القَلْبِ والبَدَنِ، أيْ تَطْهِيرِهِما مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي، وقالَهُ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ، وقالَ الضَحّاكُ ومُقاتِلٌ: مَعْنى الزَكاةِ هُنا: النَفَقَةُ في الطاعاتِ، وأعادَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم كافِرُونَ﴾،تَوْكِيدًا.".
(المحرر الوجيز: ٤٩٨،٤٩٧/٨)
٥- وقال القرطبي رحمه الله:" "وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ"، قال ابن عباس: لَا يَشْهَدُونَ "أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَهِيَ زَكَاةُ الْأَنْفُسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يُقِرُّونَ بِالزَّكَاةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: لَا يَتَصَدَّقُونَ وَلَا يُنْفِقُونَ فِي الطَّاعَةِ. قَرَّعَهُمْ بِالشُّحِّ الَّذِي يَأْنَفُ مِنْهُ الْفُضَلَاءُ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أن الكافر يعذب بكفر مَعَ مَنْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقَاتِ، وَيَسْقُونَ الْحَجِيجَ وَيُطْعِمُونَهُمْ، فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلَى مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ.". ( الجامع لأحكام القرآن: ٣٤٠/١٥ )
٦- وقال ابن جزيّ:"﴿ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ كَـٰفِرُون﴾
هي زكاة المال، وإنما خصها بالذكر لصعوبتها على الناس، ولأنها من أركان الإسلام، وقيل: يعني بالزكاة التوحيد، وهذا بعيد. وإنما حمله على ذلك لأن الآيات مكية. لم تفرض الزكاة إلا بالمدينة، والجواب أن المراد النفقة في طاعة الله مطلقاً، وقد كانت مأموراً بها بمكة".( ١٣٠/٣ ).
ثانياً:
خلاصة كلام المفسرين:
أن في المراد بالآية قولان..
الأول :
أن المراد بالآية ظاهرها وهو زكاة المال..
وأخذ بهذا طائفة من المفسرين منهم ابن جرير الطبري وقال: "والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدّون زكاة أموالهم؛ وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة. .
ووافقه على ذلك السمعاني وابن جزيّ.
والقول الثاني:
أن المراد بالزكاة الطهارة من الشرك وطهارة النفس من الأخلاق الرذيلة.. واعتمد هؤلاء الرواية عن ابن عباس أن المراد شهادة أن لا إله إلا الله..، ومنهم ابن كثير، وابن عطية والقرطبي..
ثانياً : التعليق..
١-كما رأينا أن في المسألة قولان..، ولكل قول وجاهته.
ولو قيل إن الآية تشمل زكاة المال والنفقة، والطهارة من الشرك، فإنه لا معارضة بين ذلك.
فهم مشركون لم يزكوا أنفسهم من رجس الشرك، ولم يؤتوا الزكاة ..
وظاهر الآية نص على إيتاء الزكاة، والإيتاء أولى ما يكون بالمال.
ثم ما جاء من الرواية معتبر أيضاً ولا منافاة بينهما. والجمع بين الروايات أولى ما أمكن ذلك.
٢-فائدة في كيفية النظر في مسائل الخلاف، أو في مسألة فيها أكثر من قول.
الواجب الأخذ بالصحيح الصريح الثابت بغير معارض.
لكن متى وجِد قول آخر صحيح لا يهمل.. بل يعتبر وجهاً في المسألة، ويقال له حظ من النظر.. وقد يكون في الجمع بين القولين احتياط ، وتوضيح وتتميم للمعنى.
٣- القول الذي يخالف الظاهر من النص بلا دليل، ويعارض ما هو أثبت منه وأصح، هذا يتوقف.. فيه وينظر، فإن تبين مخالفته الصريحة للصواب، أو كونه جاء من طريق راوي كذاب أو وضاع أو مبطل فهذا يرد و لايلتفت إليه.
والله أعلم، وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
…
١٠/ رمضان/١٤٤٧
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق