قال الله تبارك وتعالى: { كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ مُبَـٰرَكࣱ لِّیَدَّبَّرُوۤا۟ ءَایَـٰتِهِۦ وَلِیَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ }.
قال البغوي رحمه الله: "{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ}أَيْ: هَذَا الْكِتَابُ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ، {مُبَارَكٌ} كَثِيرٌ خَيْرُهُ وَنَفْعُهُ، {لِيَدَّبَّرُوا} أَيْ: لِيَتَدَبَّرُوا، {آيَاتِهِ} وَلِيَتَفَكَّرُوا فِيهَا..قَالَ الْحَسَنُ: تَدَبُّرُ آيَاتِهِ: اتِّبَاعُهُ". ( ١ )
قال القصاب رحمه الله عن هذه الآية أنها : "حجة لمن يجعل القرآن نصب حججه في أحكام إسلامه، وشرائع دينه، وانتزاعاته في جميع علومه،فمن تدبر آياته أدته إلى حقائق الأحكام، وتذكر أولي الألباب لا يكون إلا به". ( ٢)
قال ابن كثير رحمه الله: " فيه الدعوة إلى اتباع القرآن، و وصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة، لأنه حبل الله المتين". ( ٣)
فقد وصف الله جل وعلا كتابه الكريم بأنه مبارك.أي: كثير الخير، دائم النفع، متضمن للبركة، في الثواب والهدى والنور والعلم، من سعى إلى تحصيل بركته وطلبها، نالها بإذن الله.
فمن بركة القرآن:
أنه هدًى ونورٌ، يهتدي به من اتبعه، وأنه شفاءٌ ورحمة، كما وصفه الله جل وعلا فقال:{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَاۤءَتۡكُم مَّوۡعِظَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَاۤءࣱ لِّمَا فِی ٱلصُّدُورِ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣱ لِّلۡمُؤۡمِنِینَ }. وقال سبحانه: { وَكَذَ ٰلِكَ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ رُوحࣰا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِی مَا ٱلۡكِتَـٰبُ وَلَا ٱلۡإِیمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلۡنَـٰهُ نُورࣰا نَّهۡدِی بِهِۦ مَن نَّشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ..}.
فوصف الله القرآن بأنه روح، ونور، فالروح بها الحياة، والنور يهتدى به، قال الله في هذا المعنى:{أَوَمَن كَانَ مَیۡتࣰا فَأَحۡیَیۡنَـٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورࣰا یَمۡشِی بِهِۦ فِی ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِی ٱلظُّلُمَـٰتِ لَیۡسَ بِخَارِجࣲ مِّنۡهَاۚ كَذَ ٰلِكَ زُیِّنَ لِلۡكَـٰفِرِینَ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ }.
•التدبر:
الأمر بالتدبر وهو التفكر فيما يتلى، والعلم بما فيه من أمر ونهي، واتباعه والعمل به.
فإنّ الله سبحانه أمر بالتدبر والتفكر واتباع كتابه في آيات كثيرة منها قوله جل وعلا: {أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَیۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِیهِ ٱخۡتِلَـٰفا كَثِیرࣰا}.وقوله سبحانه:{وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ مُبَارَكࣱ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ }.وقوله تعالى:{..وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ}.
قال ابن القيم رحمه الله:
فتدبّر القرآن إن رُمتَ الهدى
فالعلم تحت تدبّر القرآن.
• والتذكر: وهو الاتعاظ بما فيه من قَصصٍ وأمثال، ووعدٍ ووعيد، وقد سمى الله تعالى كتابه تذكرة، فقال:{وَإِنَّهُۥ لَتَذۡكِرَةࣱ لِّلۡمُتَّقِینَ }. وقال سبحانه:{لَوۡ أَنزَلۡنَا هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلࣲ لَّرَأَیۡتَهُۥ خَـٰشِعࣰا مُّتَصَدِّعࣰا مِّنۡ خَشۡیَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَـٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ }.
وإنما يحصل التذكر من المؤمنين المتقين، فهم أولو الألباب، الذين يتلون كتاب الله فينتفعون بما فيه من علم وتذكير وموعظة، وهم بذلك أسعد الخلق به، قال الله جل وعلا:{..قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا یَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ}. وقال تعالى: { أَفَمَن یَعۡلَمُ أَنَّمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰۤۚ إِنَّمَا یَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ}. وقال جل وعلا: {وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكُمۡ ءَایَـٰتࣲ مُّبَیِّنَـٰتࣲ وَمَثَلࣰا مِّنَ ٱلَّذِینَ خَلَوۡا۟ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةࣰ لِّلۡمُتَّقِینَ }.
ففي هذه الآيات وما في معناها : الأمر بترتيل القرآن بقلب حاضر، وتأنٍ وتؤدةٍ، والوقوف على معانيه، وإعمال الفِكر فيما يرشد إليه من التوجيهات، فإن العلة من إنزاله تدبره والعمل به، واتخاذه نوراً يهتدى به، ومنهجاً للحياة وحكَماً يْنتهى إلى شرعه، ودليلاً إلى مراضي الرب سبحانه وجنته. كما سبقت الإشارة إلى ذلك في صدر هذا المقال..
وبعد:
فمما يعين على تدبّر القرآن عند تلاوته معرفة تفسيره ومعانيه، فمن خفي عليه شيء من ذلك فلينظر كتب التفسير الموثوقة، أو ليسأل عنه أهل العلم، وليدع ربه قبل ذلك أن يهديه للحق وأن يعينه على اتباعه، فالله سبحانه هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والقائل:{ وَكَذَ ٰلِكَ أَنزَلۡنَـٰهُ ءَایَـٰتِۭ بَیِّنَـٰتࣲ وَأَنَّ ٱللَّهَ یَهۡدِی مَن یُرِیدُ }.
اللهم اجعلنا جميعًا ممن هديتهم ياسميع الدعاء.
_____
١٤٤٧/٦/٧
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق