جلال القرآن وجماله.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: لقد وصف الله جل وعلا كتابه فقال:{إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانࣱ كَرِیمࣱ } وقال تعالى:{ قۤۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِیدِ }.
والغرض هنا الإشارة إلى جمال النظم القرآني وإعجازه، وعذوبة اللفظ، وجلال المتلو، فهو كلام الجليل سبحانه وتعالى.
فالقرآن الكريم كله حسنٌ جميلٌ على كل حال، في تركيبه ونظمه، في روعة بيانه ولذة سماعه وانشراح القلب وأُنسِه بقراءته.
فجمال القرآن وكماله وما احتواه من البيان العظيم والهدى التام، يدركه القارئ والمستمع، حتى إنّ عقلاء الجن ليلة استمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه خارج مكة قالوا كما أخبر الله عنهم: {إنّا سمعنا قرءانًا عَجَبًا} فلم يبرحوا مجلسهم ذاك حتى آمنوا به وأثنوا عليه قائلين: { يهدي إلى الرشد فآمنا به..}.
ولما سمع البراءُ بن عازب رضي الله عنه النبيَ صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاته:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } . فقال: ما سمعت أحدًا أَحسن صوتًا وقراءةً منه".(١)
وصدق البراء رضي الله عنه.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم، دعا إلى تحسين تلاوة القرآن، فقال مرغّبًا في ذلك: " زيّنوا القرآن بأصواتكم".(٢)
وأثنى صلى الله عليه وسلم ذات مرة على أبي موسى رضي الله عنه، ووقف يستمع إليه وهو يقرأ القرآن، فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داوود"(٣).
ومن جمال القرآن أن جمع الحسن والبلاغة للكلمة والآية، فاكتمل جماله بلاغةً وبيانًا ومعنىً وأثراً.
فالقرآن حسنٌ على كل حال: إن قلت في حسن نظمه فهو أجمل من كل شيء ، وإن قلت في معانيه فهو الكمال كله، وإن قلت في هدايته وبيانه فهو النور المبين والصراط المستقيم، حتى قال رأس مشركي قريش:"والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق،٠ وإنه ليعلو ولا يعلى عليه وإنه ليحطم ماتحته".
والقرآن كله حافل بالجلال والكمال والجمال .
وللتمثيل على ذلك استعرض بعض الآيات الكريمة:
- رتّل هذه الآية التي قال الله تعالى فيها: { خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَـٰهِلِینَ }
وانظر ما فيها من الحِكم والإحكام ، فهي ثلاث جُمل، كل جملة منها غاية في البيان وآية في الكمال:
{خذ العفو} كلمتان انتظمتا مبدأ الإحسان أخذًا وعطاءً، والمسامحة عن التقصير، وقبول اعتذار المسيء والصفح عنه.
{ وأمر بالعرف} الحث على مكارم الأخلاق، والترغيب في فعل المعروف بكلمتين فحسب. {وأعرض عن الجاهلين} الأمر بالبعد عن أصحاب الجهل، و وعدم الدخول معهم في خصام أو جدال، والحذر من مخالطتهم أو الانشغال بهم.
فكم من شعبة ياتُرى من شُعب الإيمان انتظمتها هذه الآية الموجزة العظيمة.. ؟!
قال ابن قتيبة رحمه الله متحدثًا عن القرآن:
"وجمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه،
وذلك معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أوتيت جوامع الكلم".
فإن شئت أن تعرف ذلك فتأمل قوله سبحانه: ﴿خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجاهِلينَ﴾
كيف جمع له بهذا الكلام كل خلق عظيم، لأن في (أخذ العفو): صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين.
وفي (الأمر بالعرف): تقوى الله وصلة الأرحام، وصون اللّسان عن الكذب، وغضّ الطّرف عن الحرمات.وإنما سمّى هذا وما أشبهه (عرفًا) و(معروفًا)، لأن كل نفس تعرفه، وكل قلب يطمئنّ إليه.
وفي (الإعراض عن الجاهلين): الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السّفيه، ومنازعة اللّجوج".(٤)
-وقال سبحانه: { وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ لِبَاسࣰا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتࣰا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورࣰا }
تقسيم بديع لأوقات اليوم ومظاهِره، وامتنان الله تعالى بجعل هذه الأوقات في غاية الصلاح والنفع للإنسان، فالليل ستر يستكنّ فيه ، والنوم راحة يأوي إليها، من السعي في النهار والكدح فيه .
-وقول الله تعالى: { لَّا یَسأمُ ٱلۡإِنسَـٰنُ مِن دُعَاۤءِ ٱلۡخَیۡرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَیَـُٔوسࣱ قَنُوطࣱ }.
- جمالٌ أخّاذٌ في الصياغة، ووصف بديع لحالة الإنسان النفسية حيال الشر والخير..
نفي السأم عند طلب الخير يدل على الدأب والمداومة على طلب الخير وحب النفس له، هذا في الجانب الذي تشتهيه وتحبه..
واليأس والقنوط حين يصيبها ما تكره، فقد طبعت على البخل والطمع، يقول جل وعلا: {إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا • إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعࣰا • وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَیۡرُ مَنُوعًا} فالإنسان يتجاذبه غرضان: الإعراض عند الرخاء، واليأس في حال الشدة، كما يقول سبحانه: { وَإِذَاۤ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَـٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ یَـُٔوسࣰا }.
وفي الآيات التاليات من الجمال مايعجز الواصفون عن إدراك بعضه، ولا يملك الناظر والمتأمل إلا أن يقول: الله أكبر!
فاقرأ وتدبّر وستجد أفضل مما قلته لك.
{ تَبَارَكَ ٱلَّذِی جَعَلَ فِی ٱلسَّمَاۤءِ بُرُوجࣰا وَجَعَلَ فِیهَا سِرَ ٰجࣰا وَقَمَرࣰا مُّنِیرࣰا • وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةࣰ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن یَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورࣰا • وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلَّذِینَ یَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنࣰا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمࣰا • وَٱلَّذِینَ یَبِیتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدࣰا وَقِیَـٰمࣰا • وَٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا •إِنَّهَا سَاۤءَتۡ مُسۡتَقَرࣰّا وَمُقَامࣰا •وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ یُسۡرِفُوا۟ وَلَمۡ یَقۡتُرُوا۟ وَكَانَ بَیۡنَ ذَ ٰلِكَ قَوَامࣰا • وَٱلَّذِینَ لَا یَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا یَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا یَزۡنُونَۚ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَ ٰلِكَ یَلۡقَ أَثَامࣰا • یُضَـٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ وَیَخۡلُدۡ فِیهِۦ مُهَانًا • إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلࣰا صَـٰلِحࣰا فَأُو۟لَـٰۤئكَ یُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَیِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَـٰتࣲۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا • وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَإِنَّهُۥ یَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابࣰا • وَٱلَّذِینَ لَا یَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغۡوِ مَرُّوا۟ كِرَامࣰا • وَٱلَّذِینَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ یَخِرُّوا۟ عَلَیۡهَا صُمࣰّا وَعُمۡیَانࣰا• وَٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَ ٰجِنَا وَذُرِّیَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡیُنࣲ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِینَ إِمَامًا • أُو۟لَـٰۤئِكَ یُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَیُلَقَّوۡنَ فِیهَا تَحِیَّةࣰ وَسَلَـٰمًا • خَـٰلِدِینَ فِیهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرࣰّا وَمُقَامࣰا • قُلۡ مَا یَعۡبَؤُا۟ بِكُمۡ رَبِّی لَوۡلَا دُعَاۤؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ یَكُونُ لِزَامَۢا }،
ولن يوفي أحدٌ القرآن حقه من الإشادة بجماله والتنويه بحسنه و كماله، فقد قال منزله سبحانه:{ الۤرۚ كِتَـٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَایَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِیمٍ خَبِیرٍ } وقال تعالى: {كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ مُبَـٰرَكࣱ لِّیَدَّبَّرُوۤا۟ ءَایَـٰتِهِۦ وَلِیَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ } وقال عز وجل:{هَـٰذَا بَیَانࣱ لِّلنَّاسِ وَهُدࣰى وَمَوۡعِظَةࣱ لِّلۡمُتَّقِینَ}
قال أبو أسامة زيد الأنصاري في هذا المعنى:
هُوَ القُرْآنُ خَيْرُ الكُتْبِ قَدْرًا
وَأَفْضَلُهَا وَأَحْسَنُهَا نِظَامَا
وَأَيْسَرُهَا وَأَوْسَعُهَا عُلُومًا
وَأَبْلَغُهَا وَأَفْصَحُهَا كَلَامَا.
هذا وليس جمال القرآن محصورًا في بيانه وحسن نظمه فحسب، بل جمع مع ذلك صِدقَ أخباره، وبلاغة مواعظه، وعظيم نفعه في هدايته وقصَصه، وكثرة علومه وفوائده، وكفايته وعدله في أحكامه وشرعه، ف{تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا}.
___
١- البخاري: ٧٥٤٦، ومسلم: ٤٦٤
٢-أحمد: ،١٨٥١٧ أبو داود: ١٤٦٨ والنسائي: ١٠١٥، وابن ماجه: ١٣٤٢.
٣- البخاري: ٥٠٤٨، ومسلم :٧٩٣
٤-تأويل مشكل القرآن ، ص: ٣٢
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق