الأحد، 15 فبراير 2026

اللقاء الأول

            اللقاء الأول

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد: 

 فبين يديك أيها القارئ الكريم

خبر اللقاء الأول.. 

قبل الشروع في تفاصيل هذا الحدث الفريد،  أود أن ألفت انتباهك إلى ثلاثة أمور ..

أولها: القراءة المتأنية لوقائع هذا الحدث.! 

ثانيها: أن تطلق العنان لخيالك أن يعيش الأحداث التي تقرأها   في هذه السطور.. 

والأمر الثالث: دعنا نرجئ خبره إلى آخر المطاف. 

والأن لنبدأ الحديث عن قصة اللقاء الرائع ذلك المشهد الذي يعجز الواصف عن التعبير عنه.. 

ستأخذك أحداثه مباشرة إلى مقام لم يخطر اليوم ببالك..! 

لم تر عين مثله، ولم تسمع أذن، ولم تخطر على قلب بشر حقيقته !!!   

ولكن اسمح لعقلك بأن يتخيل ما أقول وأن يعيش اللحظة ويتأمل الموقف كأنه يعاينه، وستجد في نهاية المطاف أن. الحلم الذي كان يراودك كثيراً سيصبح حقيقة.! 

وهذا اللقاء جدير بكل عاقل السعي للفوز به !! 

 فعلى بركة الله  نبدأ..! 

الموقف مفاجئ والمقام عظيم يجل عن الوصف..! 

الله أكبر!  

… فللتو دلفتَ من باب عرضه مسيرة أربعين عاماً.

وهذه الخطوة الأولى لك في الجنة ..!

توقفت مشدوهاً، تغمض عينيك وتفتحمها وتنظر هنا وهناك، سبحان الله! 

ويطرق سمعك صوت ندي كريم: {أدخلوها بسلام آمنين..} {هذه الجنة التي كنتم توعدون}.!!

فبدرت منك العبارة المليئة بأصدق المشاعر: الحمد لله..!!

 الحمد لله الذي صدقنا وعده.. 

دخلت الجنة..، ونظرت يميناً وشمال…وأدركت أن ما أنت فيه حق، وأنك في دار النعيم المقيم !  

وأمام  عينيك شخصان كريمان عظيمان حبيبان إلي قلبك!! 

والداك..! 

أمك وأبوك على سرر من ذهب،  في قبة من خيام الحرير طولها ستون ميلاً، يلبسان السندس والاستبرق ، تلمع وجوههما كالقمر أو أشد منه نوراً !!

ثم وقفت بين أيديهم لحظة كأنك تدفع غشاوة عن بصرك، ثم ألقيت بنفسك مسلماً مشتاقاً، قد بلغ بك السرور منتهاه !! 

قبل لحظات فرغت من أهوال الحساب، وعبرت جسر جهنم بعد أن بلغ قلبك حنجرتك أو كاد.. خوفاً ورعباً.…! 

من هول جهنم وهي تتلظى، والصراط تحت قدميك يتكفأ  ، ويضطرب يمنة ويسرة ، ويتساقط أناس من أمامك ومن خلفك، وتتخطفهم بعضهم كلاليب النار..! 

والآن وأنت في لقاء مشهود، لو يحصل لك الطيران لحظتها لطرت سروراً برؤيتهما ، وبنجاتك من ذلك الكرب العظيم، !

ثم أنت الآن بين يدي أحب الناس إليك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما إن خطوت الخطوة الأولى في الجنة حتى أطلقت زفرة نفس عريضة، ثم التفتَ خلفك ، وأيقنت  أنك نجوت من النار الموقدة، والخطوة الأخرى وها أنت في جنة عرضها السموات والأرض..! وأمام والديك.. !

فسلّم عليهما، وقبلهما.. ! 

بشرهما أنك نجوت.. وفزت..! 

عش الفرحة بكل جزئياتها بكل تفاصيلها.. 

 ثم كأني بك أيضاً وأنت تهتف جذِلاً! أبي أمي ...!

هؤلاء أولادي، هؤلاء إخوتي وأخواتي، هؤلاء أهلي!!

  الحمد لله ..!

الحمد لله قد نجوا جميعاً، ودخلوا للتو.. 

فأحطتم بوالديكم، فيا لها من لحظة لا يوصف نعيمها.. بل ويعجز عن الحمد والشكر من عاشها.. 

إنه ليس لقاءً عابراً إنه لقاء في مقعد صدق عند مليك مقتدر! 

إن ليس مجرد لقاء من تحب فحسب !!. 

إنه لقاء بعد فراق طويل.. طويل! 

وغياب موحش لسنين لا يحصي عددها إلا الله..

 منذ تفرقتم في دار الدنيا..

 فكم تُرى مكثتم في الأجداث، وكم كانت مدة العرض والحساب يوم الفصل.. 

بعد الفراغ من أحداث ذلك اليوم وبعد النجاة من النار.. 

ها أنتم  قد اجتمع شملكم ، فلا فراق بعده، واستمتعتم جميعاً بلقاء والديكم وأحبابكم تحت تلك قبة عظيمة من قباب الجنة  تتلألأ نوراً ، ويملأ الأرجاء طيبها عبيراً!

{ فِی جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِیمِ • عَلَىٰ سُرُرࣲ مُّتَقَـٰبِلِینَ • یُطَافُ عَلَیۡهِم بِكَأۡسࣲ مِّن مَّعِینِۭ • بَیۡضَاۤءَ لَذَّةࣲ لِّلشَّـٰرِبِینَ • لَا فِیهَا غَوۡلࣱ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا یُنزَفُونَ •وَعِندَهُمۡ قَـٰصِرَ ٰ⁠تُ ٱلطَّرۡفِ عِینࣱ • كَأَنَّهُنَّ بَیۡضࣱ مَّكۡنُونࣱ  }..

قد ألقيتم عن كواهلكم عناء الدنيا وكرب وأهوال موقف الحساب . 

فهل بوسعك عبّر ياعبد الله أن تعبر عن ما يختلج في صدرك من فرح وسرور بذلك اللقاء؟!!


فكأني بك وأنت في ذلك المقام تتلو متمثلاً قول الله تعالى:{ إِنَّ ٱلۡمُتَّقِینَ فِی جَنَّـٰتࣲ وَنَعِیمࣲ • فَـٰكِهِینَ بِمَاۤ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِیمِ • كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ هَنِیۤـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ• مُتَّكِـِٔینَ عَلَىٰ سُرُرࣲ مَّصۡفُوفَةࣲۖ وَزَوَّجۡنَـٰهُم بِحُورٍ عِینࣲ }

وتتابع التلاوة: { وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّیَّتُهُم بِإِیمَـٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَمَاۤ أَلَتۡنَـٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَیۡءࣲۚ كُلُّ ٱمۡرِىِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِینࣱ • وَأَمۡدَدۡنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةࣲ وَلَحۡمࣲ مِّمَّا یَشۡتَهُونَ • یَتَنَـٰزَعُونَ فِیهَا كَأۡسࣰا لَّا لَغۡوࣱ فِیهَا وَلَا تَأۡثِیمࣱ• وَیَطُوفُ عَلَیۡهِمۡ غِلۡمَانࣱ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤࣱ مَّكۡنُونࣱ • وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ یَتَسَاۤءَلُونَ • قَالُوۤا۟ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِیۤ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِینَ } وتردد مراراً قوله سبحانه:{إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِیۤ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِینَ • فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ}.

دع خيالك يحلّق في ربوع الجنة..!

ودع روحك تستنشق نسيم الأنس برضوان الله..! 

ألم تكن تقرأ في صلاتك في الدنيا قول ربك في تنزيله:         { وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَا وَمَسَـٰكِنَ طَیِّبَةࣰ فِی جَنَّـٰتِ عَدۡنࣲۚ وَرِضۡوَ ٰ⁠نࣱ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ }...!

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل. 

اللهم إنا نسألك وعدك الصدق الذي تلوناه من كتاب الحكيم في الدنيا مؤمنين به راجين أن نكون من أهله، فقلت سبحانك وقولك الحق: { یَـٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَیۡكُمُ ٱلۡیَوۡمَ وَلَاۤ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ • ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسۡلِمِینَ • ٱدۡخُلُوا۟ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَ ٰ⁠جُكُمۡ تُحۡبَرُونَ • یُطَافُ عَلَیۡهِم بِصِحَافࣲ مِّن ذَهَبࣲ وَأَكۡوَابࣲۖ وَفِیهَا مَا تَشۡتَهِیهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡیُنُۖ وَأَنتُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ • وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِیۤ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ • لَكُمۡ فِیهَا فَـٰكِهَةࣱ كَثِیرَةࣱ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ}.!!

والآن أتركك ووالديك وأهلك في ظل تلك القباب الوارفة، والقصور العالية، وأنهار العسل والماء واللبن والخمر تنساب عن يمين وشمال ، والثمار متدنية كل قِطف ألذ من سابقه.  

فهل أيها تتصور أيها المؤمن جمال ذلك اللقاء،  والحبور الذي شملكم والنعيم الذي ملأ القلوب والأبصار لذة وأنساً !

فطوّف بخيالك حيث أردت، ودع فكرك ينقلك إلى حيث شئت من رياض الجنة وقصورها، ورتل ما شئت أن ترتل من آيات الذكر الحكيم،  وألق لها سمعك وقلبك: {إِنَّ ٱلۡمُتَّقِینَ فِی جَنَّـٰتࣲ وَعُیُونٍ • ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ءَامِنِینَ •  وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَ ٰ⁠نًا عَلَىٰ سُرُرࣲ مُّتَقَـٰبِلِینَ • لَا یَمَسُّهُمۡ فِیهَا نَصَبࣱ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِینَ • نَبِّئۡ عِبَادِیۤ أَنِّیۤ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ •وَأَنَّ عَذَابِی هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِیمُ  }..

 ولنا عودة لا ستكمال المشهد قريباً إن شاء الله.

—----------

الجمعة:  ١٤٤٧/٨/٢٥..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الموقف العصيب..

الموقف العصيب!  هأنذا  عدت إليك..أحمل  آمالي وآلامي، فلا تعتب عليّ ولاتعجل، أخي ولا تلمني..  ولكن دعني أقول لك أن هذا المشهد هو ما أرجأت الح...