من بلاغة القرآن .
الحمد لله الذي أنزل القرآن هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي أوتي جوامع الكلم والبيان.
وبعد:
فقد أنزل الله جل وعلا القرآن، وأودعه الحكمة وفصّله تفصيلاً فقال سبحانه :{ الۤرۚ كِتَـٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَایَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِیمٍ خَبِیرٍ}.
أنزله تعالى بأفصح لسان وبيان، فقال سبحانه:{ وَإِنَّهُۥ لَتَنزِیلُ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ • نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِینُ • عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِینَ • بِلِسَانٍ عَرَبِیࣲّ مُّبِینࣲ}.
وتحدى العرب أمة البيان عن مضاهاته في بلاغته أو فصاحته، أو الإتيان بسورة من مثله فقال: { وَإِن كُنتُمۡ فِی رَیۡبࣲ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُوا۟ بِسُورَةࣲ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُوا۟ شُهَدَاۤءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ }.
فمن البلاغة تنوّع أساليب الكلام، والتفنن في طرائقه، وحسن السبك، وجمال الألفاظ، واختيار الأفصح منها والأكمل في الدلالة على المعنى مع صدق الأخبار.
وقيل: " بلاغة الكلام هي: مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته".(٢)
"وأفضل الكلام أبينه، وأبينه أشده إحاطة بالمعاني"(٢)
فاجتمع كل ذلك في القرآن.!
فإذا وصِف كلام بالصدق فالقرآن هو المثل الأعلى، وإذا ذُكرت البلاغة كان للقرآن منها النصيب الأوفى.!
وسأذكر أمثلة يسيرة على بلاغة القرآن، والقصد منها التذكير والإشارة دون الإحاطة.
فمن بلاغته :
١-الإخبار عن المستقبل بصيغة الماضي، نحو قول الله تعالى: {أتى أمر الله}وقوله تعالى:{ وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِی وَأُمِّیَ إِلَـٰهَیۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ}.
قال ابن كثير رحمه الله :"كثيرًا من أمور يوم القيامة ذُكر بلفظ المُضيّ ، ليدل على الوقوع والثبوت". (٣)
وقال أيضاً:"يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبرًا بصيغة الماضي الدال على التحقق والوقوع لا محالة كما قال الله سبحانه:{ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِی غَفۡلَةࣲ مُّعۡرِضُونَ}وقال تعالى:{ ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ} ". (٤)
وقال الطبراني رحمه الله: "ذِكر الإتيان في هذا ، فَلأنَّ أمر الله في القرب بمنزلة ماقد أتى.. كما قال تعالى: {وما أمْرُ الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} ".(٥)
وقال عبد الحق بن عطية رحمه الله:" (أتى) إخبارٌ عن إتيان ما سيأتي، وصح ذلك على جهة التأكيد، وإذا كان الخبر حقًا يؤكد المستقبل بأن يخرج في صيغة الماضي، أي:كأنه لوضوحه والثقة به قد وقع، ويحسن هذا في خبر الله تعالى لصدق وقوعه".(٦)
وقوله تعالى:{وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِی وَأُمِّیَ إِلَـٰهَیۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ}، (قال) على هذا التأويل بمعنى: يقول: ونزّل الماضي موضع المستقبل دلالة على كون الأمر وثبوته".(٧)
وهذا إنما هو يوم القيامة قال تعالى بعد ذلك{ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم.. }.
وقال ابن الأنباري رحمه الله: "{وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِی وَأُمِّیَ إِلَـٰهَیۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ} قوله تعالى : (وإذ قال الله) إذ هنا بمعنى إذا، لأنه لما وقع في علم الله عزوجل أن هذا كائن لا محالة كان بمنزلة المُشاهد الموجود فأخبر عنه بالمعنى کما قال تعالى:{ وَنَادَىٰۤ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ}. وهو يريد: و ينادي ".(٨)
وقال ابن الأثير رحمه الله: " الفعل الماضي إذا أخبر به عن الفعل المستقبل الذي لم يوجد بعد كان ذلك أبلغ وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد، وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها.
والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين هيئة الفعل واستحضار صورته، ليكون السامع كأنه يشاهدها، والغرض بهذا هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد".(٩)
٢- ومن بلاغة القرآن:
انتقال الكلام من الجملة الإسمية إلى الفعلية، في مثل قوله تعالى:{ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ یُخۡرِجُ ٱلۡحَیَّ مِنَ ٱلۡمَیِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَیِّتِ مِنَ ٱلۡحَیِّۚ ذَ ٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ • فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّیۡلَ سَكَنࣰا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانࣰاۚ ذَ ٰلِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ}.
انظر كيف انتقل السياق من الاسم المصدر (فالق) إلى الفعل المضارع (يُخرج)، ثم قال في مقابلها: (مخرجُ الميّت) فجاءت الجملة بالمصدر. ثم انتقل في الآية التالية من الإسم إلى الفعل الماضي(جعل) ولم تأت: جاعل، لتقابل (فالق) .! وذلك مما يدل على بلوغ الغاية في البلاغة. ولا غرابة في الأمر إذ هو قرآن مجيد.
رحم الله حافظ إبراهيم حين قال في هذا المعنى:
وسعتُ كتاب الله لفظاً وغاية
وما ضقت عن آيٍ به وعظات..
٣- ومن بلاغة القرآن:
التنويع والجمع بين أكثر من أسلوب في الخطاب، بين استفهامٍ وتقرير، وتذكير في سياق واحد موجز، فتأمل مثالاً على ذلك قول الله تعالى: { قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمُ ٱلَّیۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَنۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِضِیَاۤءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ • قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَنۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِلَیۡلࣲ تَسۡكُنُونَ فِیهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ • وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُوا۟ فِیهِ وَلِتَبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ }.
فبعد أن قررهم بتوحيده، وذكّرهم بعض آثار قدرته، عطف على ذلك بذكر آثار رحمته، فقال سبحانه: {وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُوا۟ فِیهِ وَلِتَبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِهِ} فعند ظلام الليل يكون السلطان للسمع، لذلك قال: {أَفَلَا تَسۡمَعُونَ} فناسب هنا ذكر السمع، بخلاف النهار الذي قال عنه {أَفَلَا تُبۡصِرُونَ}.
ثم ختم ذلك بتذكيرهم بشكره فقال:{وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ}.
وفي هذه الآيات الثلاث من جلال المعنى وبيانه، وبلاغة الكلام وفصاحته ما يستدعي التعظيم والتسبيح، ويأخذ بالألباب والقلوب إلى رحاب الإيمان بالله العزيز الحكيم.
٤- ومنها: أسلوب الالتفات:
وهو التحول من الفعل الصادر من المتكلم إلى المخاطَب كما في قوله تعالى:{ إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحࣰا مُّبِینࣰا • لِّیَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّر..}، فانتقل الكلام من المتكلم: {فتحنا} إلى المخَاطَب: {ليغفرَ}.
٥- وكذلك الانتقال من الغائب إلى المخاطب كما في قول الله تعالى: { مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ • إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ} فانتقل الكلام من أسلوب الغيبة {مالك} إلى أسلوب الخطاب {إياك}.
٦-ومن خطاب الواحد إلى خطاب الجمع، كما في قوله تعالى:{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} فانتقل من خطاب الواحد:{يا أيها النبي} إلى خطاب الجمع {طلقتم}، و{فطلقوهن}.
٧- ومن بلاغة القرآن الإيجاز:
قال تعالى:{یُطَافُ عَلَیۡهِم بِصِحَافࣲ مِّن ذَهَبࣲ وَأَكۡوَابࣲۖ وَفِیهَا مَا تَشۡتَهِیهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡیُنُۖ وَأَنتُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ}، فقد "جمع في كلمات معدودة ما لا تحصره الأفهام، ولا تبلغه الأوهام.
وكذلك قوله سبحانه: { خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَـٰهِلِینَ} "جمع مكارم الأخلاق بأسرها".(١٠) في بضع كلمات.
٨- واستعمال الحذف والقصر في أنسب وأفضل وأفصح ما يستعمل له، انظر كيف جمع بين التشريع والموعظة والوعيد كل ذلك في آية واحدة، فقال سبحانه عن تحريم الخمر:{إِنَّمَا یُرِیدُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَن یُوقِعَ بَیۡنَكُمُ ٱلۡعَدَ ٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَاۤءَ فِی ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَیۡسِرِ وَیَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ}.وحذف جواب الكلام لعلم المخاطب به، كما في قوله سبحانه: { وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانࣰا سُیِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِیعًاۗ}، والمعنى لكان هذا القرآن..
وبعد:
فاحتوى القرآن على عناصر البلاغة وأدواتها مثل التشبيه والكناية والتمثيل، والإيجاز والحذف.. إلى غير ذلك من فنون البلاغة، واستعملها في أفصح وأجمل وأبين العبارات والألفاظ..
كان القصد هنا الإشارة إلى بعض الأمثلة على بلاغة القرآن.. ، وبالله التوفيق، وله الحمد أولاً وآخرًا.
٢٥/جمادى الآخرة/١٤٤٧.
—--------
١- الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب التبريزي/ ص:١٠
٢-الصناعتين لأبي هلال العسكري/ ص: ١٩٦
-٣تفسير القرآن العظيم/ ج٥: ص:٤٢٥
٤- = = = ج: ٨ ص:٢٩٨
٥- التفسير الكبير/ ج:٤ص:٥٨
٦- المحرر الوجيز/ ج: ٦ص:٦
٧- = = ج: ٣ص: ٦٨٧
٨- الأضداد/ ص:١١٩
٩- المثل السائر /ج:٢ ص:١٩٤
١٠- الصناعتين: ١٨٣