{فمن أظلم ممن كذّب بآيات الله وصدف عنها} .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
الحمد لله الذي بيّن معالم الهدى، وأوضح سبيل الرشد ، وأبدى في البيان وأعاد، وكرر ذلك في مواضع عديدة من كتابه رحمةً بالعباد، فمن ذلك قوله سبحانه:{ قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَـٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ ثُمَّ هُمۡ یَصۡدِفُونَ} (الآية٤٦ من سورة الأنعام)
ثم قال تعالى في آخر السورة:{..فَقَدۡ جَاۤءَكُم بَیِّنَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣱۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِی ٱلَّذِینَ یَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَایَـٰتِنَا سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ یَصۡدِفُونَ (١٥٧)}.
وهذه الآية الكريمة جاءت بعد الآية التي أمر الله فيها باتباع صراطه المستقيم..، وما بعدها من الآيات، في قوله تعالى: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَ ٰطِی مُسۡتَقِیمࣰا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِیلِهِۦۚ ذَ ٰلِكُمۡ وَصَّاكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ • ثُمَّ ءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِیۤ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِیلࣰا لِّكُلِّ شَیۡءࣲ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣰ لَّعَلَّهُم بِلِقَاۤءِ رَبِّهِمۡ یُؤۡمِنُونَ • وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ مُبَارَكࣱ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ • أَن تَقُولُوۤا۟ إِنَّمَاۤ أُنزِلَ ٱلۡكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَاۤئِفَتَیۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَـٰفِلِینَ • أَوۡ تَقُولُوا۟ لَوۡ أَنَّاۤ أُنزِلَ عَلَیۡنَا ٱلۡكِتَـٰبُ لَكُنَّاۤ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَاۤءَكُم بَیِّنَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣱۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِی ٱلَّذِینَ یَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَایَـٰتِنَا سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ یَصۡدِفُونَ }
قال ابن كثير رحمه الله:" أي: ثم هم مع هذا البيان يَصْدِفُونَ، أي: يُعرضون عن الحقِّ، ويصدّون الناسَ عن اتِّباعه". (١)
فالتكذيب بآيات الله عز وجل والصد عنها جريمة منكرة يستوجب فاعلها أشد العقاب.
لذلك يجب الحذر من وسائل وطرق الصد عن دين الله، والبعد عنها، سواءً ما كان منها في تزيين الباطل، أو في التحذير من الحق أو تنفير الناس منه، أو تهديد أتباعه، يقول الله تعالى مبيناً عِظم ذلك وسوء عاقبته: {فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِی ٱلَّذِینَ یَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَایَـٰتِنَا سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ یَصۡدِفُونَ }، أي: لا أحد أشد ظلماً وجرماً ممن جمع بين التكذيب بآيات الله تعالى والصد عنها، فهذا الصنف من الناس."مَائِلُونَ مُعْرِضُونَ عَنِ الحجج والدلالات".(٢) استكبارا وعناداً منهم. وهم مع ذلك الإعراض يصدون الناس عن آيات الله ويضلونهم، فجمعوا بين الضلال في أنفسهم وإضلال غيرهم. قال عنهم الله سبحانه وتعالى:{سَنَجۡزِی ٱلَّذِینَ یَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَایَـٰتِنَا سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ یَصۡدِفُونَ}أي: سنجزي هؤلاء المكذبين المضلين سوء العذاب في الدنيا بالذلة والخزي، وفي الآخرة بالعذاب الشديد بسبب إعراضهم و صدهم و تكذيبهم بآيات الله..
قال ابن عطية رحمه الله: "ولما تقرر أن البينة قد جاءت والحجة قد قامت حسُن بعد ذلك أن يقع التقرير بقوله فمن أشد ظلماً ممن كذّب بهذه الآيات البينات، {وصدف} معناه: حاد وزاغ وأعرض".(٣)
فكلمة (صدفَ): أي أعرض إعراضاً شديدًا .
وإنّ من معاني (الصدف) في اللغة، الجبل، فكما أن الجبل منيع شديد الصلابة فكذلك حال هؤلاء في الإعراض والصد عن سبيل الله.
وهذا دأبهم على مر الأزمان وتعاقب الأمم، فتأمل هذه الآيات وما قصه الله علينا فيها من أنواع الصد عن دين الله، وتنفير الناس عنه، قال تعالى:{ وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّاۤ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَیۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَاۤءُو ظُلۡمࣰا وَزُورࣰا • وَقَالُوۤا۟ أَسَـٰطِیرُ ٱلۡأَوَّلِینَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِیَ تُمۡلَىٰ عَلَیۡهِ بُكۡرَةࣰ وَأَصِیلࣰا • قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِی یَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا • وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ یَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشِی فِی ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِ مَلَكࣱ فَیَكُونَ مَعَهُۥ نَذِیرًا • أَوۡ یُلۡقَىٰۤ إِلَیۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةࣱ یَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلࣰا مَّسۡحُورًا }.
فزعموا أن الوحي المنزّل على النبي صلى الله عليه وسلم كذب وافتراء، حصل بمعاونة غيره.
و إمعانا في العناد قالوا بأنه أساطير وأقاويل ، ثم تطاولوا وعابوا النبي صلى الله عليه وسلم بالمشي في الأسواق لطلب الرزق. ثم اقترحوا أن يكون معه ملك يصدق قوله، أو أن يكون له كنز من مال ..وآخر ما افتروه اتهامه بأنه ساحر..!
فكلما أبرموا أمراً نقضوه لعلمهم أنه باطل.! قال الله تعالى: {وماكيد الكافرين إلا في ضلال}.
وكلما تعلقوا بحبل من مكائدهم انقطع بهم في ظلمات الكفر.
ومن مواقفهم في الصد عن الحق.. ما أخبر الله عنهم في قوله عز وجل: { وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَا تَسۡمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡا۟ فِیهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ }.
فكم هي صور عنادهم وتكذيبهم، والإعراض عن الحق، ورميه بالأباطيل وإضلال الناس عنه.
فمن ذلك أيضاً ماجاء عنهم في قول الله سبحانه: { وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتُنَا بَیِّنَـٰتࣲ قَالُوا۟ مَا هَـٰذَاۤ إِلَّا رَجُلࣱ یُرِیدُ أَن یَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ یَعۡبُدُ ءَابَاۤؤُكُمۡ وَقَالُوا۟ مَا هَـٰذَاۤ إِلَّاۤ إِفۡكࣱ مُّفۡتَرࣰىۚ وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَاۤءَهُمۡ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا سِحۡرࣱ مُّبِینࣱ }..
ومن الوعيد على مواقفهم في الصد عن سبيل الله يقول تعالى:{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَاۤۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِینَ مُنتَقِمُونَ}، ويقول سبحانه:
{إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ وَشَاۤقُّوا۟ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن یَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَیۡـࣰٔا وَسَیُحۡبِطُ أَعۡمَـٰلَهُمۡ}.
فانقطعت الأعذار، وحق عليهم العذاب، قال الله تعالى:{ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَاۤۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِینَ مُنتَقِمُونَ}، وقال سبحانه:{وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِی هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلࣲ فَأَبَىٰۤ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورࣰا }. وقال عز وجل: {وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَاۤءَهُۥۤۚ أَلَیۡسَ فِی جَهَنَّمَ مَثۡوࣰى لِّلۡكَـٰفِرِینَ}.
ثم استثني الله أولياءه من ذلك ونوّه بهم، ووعدهم الهدى ومعيته لهم فقال سبحانه: {وَٱلَّذِینَ جَـٰهَدُوا۟ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ}.
اللهم اهدنا للحق، وسددنا وثبتنا عليه، فأنت ولي ذلك والقادر عليه..
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله.
٢٤/ رمضان/١٤٤٦
___________________
١- تفسير القرآن العظيم: ٤٠/٦
٢- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٤٢٨/٦
٣- المحرر الوجيز: ١٧٧/٤
جزاك الله خيرا شيخنا.
ردحذف