من فضائل التقوى وثمراته..

      من فضائل التقوى وثمراته.. 

​قال الله تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانࣰا وَیُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَیِّـَٔاتِكُمۡ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ﴾       [ الأنفال: ٢٩]

​الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: سأقف مع هذه الآية الكريمة وقفتان: 

الأولى: نقل كلام المفسرين في معنى الآية.الثانية: معنى التقوى، وفضائله..

​معنى الآية وتفسيرها: 

١- قال ابن جرير الطبري رحمه الله: " يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، إن تتقوا الله بطاعته وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته وخيانة رسوله وخيانة أماناتكم "يجعل لكم فرقانا"، يقول: يجعل لكم فصلا وفرقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم المشركين، بنصره إياكم عليهم، وإعطائكم الظفر بهم، ويكفر عنكم سيئاتكم"، يقول: ويمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم بينكم وبينه، "ويغفر لكم"، يقول: ويغطيها فيسترها عليكم، فلا يؤاخذكم بها، "والله ذو الفضل العظيم"، يقول: والله الذي يفعل ذلك بكم، له الفضل العظيم عليكم وعلى غيركم من خلقه بفعله ذلك وفعل أمثاله. وإن فعله جزاء منه لعبده على طاعته إياه، لأنه الموفق عبده لطاعته التي اكتسبها، حتى استحق من ربه الجزاء الذي وعده عليها". 

(جامع البيان: ٢٢٤/٩)

​٢- وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: "قال ابن عباس، والسدي، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل بن حيان: ﴿فُرْقَانًا﴾ مخرجا. زاد مجاهد: في الدنيا والآخرة. وفي رواية عن ابن عباس: ﴿فُرْقَانًا﴾ نجاة. وفي رواية عنه: نصرا. وقال محمد بن إسحاق: ﴿فُرْقَانًا﴾ أي: فصلا بين الحق والباطل. وهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم وقد يستلزم ذلك كله؛ فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة، وتكفير ذنوبه -وهو محوها -وغفرها: سترها عن الناس -سببا لنيل ثواب الله الجزيل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

 (تفسير القرآن العظيم: ٥٨٤،٥٨٣/٣).

​٣- وقال القرطبي رحمه الله: "إذا اتقى العبد ربه- وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه- وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وشحن قلبه بالنية الخالصة، وجوارحه بالأعمال الصالحة، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال، جعل له بين الحق والباطل فرقانا، ورزقه فيما يريد من الخير إمكانا. قال ابن وهب: سألت مالكا عن قوله سبحانه وتعالى: "إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا" قال: مخرجا، ثم قرأ "ومن يتق الله يجعل له مخرجا.". (الجامع لأحكام القرآن: ٣٩٦/٧).

​الوقفة الثانية: معنى التقوى وبعض فضائله وثمراته: من معاني التقوى أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره وطاعته سبحانه، واجتناب نواهيه ومعصيته. والتقوى رديف للإيمان و دليله، وعلامة عليه، فمتى اجتمعا في سياق واحد فإنهما يثمران فضائل جليلة، ذكرها الله في هذه الآية وفي آيات أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تُؤۡمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِیمࣱ﴾.

​• فمن فضائله: - أنه: "جامع كل فضيلة، وحائز كل غنيمة؛ لأن جعل الفرقان كاشف كل غمة، وجابر كل كسر، ومؤمن من كل فزع ورعب، ومزيل خوف الفقر،.. وتكفير السيئات وغفران الذنوب من وراء ذلك كله في المعاد، فإن الله -جل جلاله- لا يخلف الميعاد.". 

(نكت القرآن للقصاب: ٤٧٠/١) 

 • ​وقال ابن جزي: "قوله تعالى؛ ﴿یَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانࣰا﴾ أي: تفرقة بين الحق والباطل، وذلك دليل على أن التقوى تنور القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة". 

(التسهيل: ١٧/٢)

 • ​والمراد بالفرقان في هذه الآية كما ذكره المفسرون: النور والمخرج والفصل بين الحق والباطل.

​• ومن فضائله: 

ما وعد الله سبحانه في هذه الآية الكريمة من جعل التقوى فرقان ومخرجا ونورا كما في قوله ﴿یَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانࣰا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾.

​• ومن ثمراته: - أنه المخرج من كل فتنة وضيق وشدة كما قال سبحانه: ﴿وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجࣰا﴾.

​• ومنها: - أنه من أسباب تكفير السيئات وسترها في قوله: ﴿وَیُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَیِّـَٔاتِكُمۡ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ یُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَیِّـَٔاتِهِۦ﴾.

​• ومنها: - أنه من أسباب المغفرة التي تطهر المؤمن مما حصل منه من الذنوب في قوله سبحانه: ﴿وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ﴾.

• ​وعلاوة على ذلك ما وعد الله عز وجل في خاتمة الآية من الفضل العظيم في قوله: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ﴾ وقوله أيضا: ﴿وَیُعۡظِمۡ لَهُۥۤ أَجۡرًا﴾.

 • ​ونحو هذا جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

​• ومن ثمراته وفضائله: - أن من حقق الإيمان واتقى الله فإنه ينال الأجر العظيم، الذي لا يقدر قدره إلا الله فقد وعد تعالى عباده فقال عز وجل: ﴿وَإِن تُؤۡمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ یؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا یَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَ ٰ⁠لَكُمۡ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَأَجۡرُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ﴾، وقال أيضا: ﴿ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ • لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡـَٔاخِرَةِۚ لَا تَبۡدِیلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ﴾.

​وبعد:

فإن فضائل التقوى كثيرة، وثمراته عظيمة، فمنها إضافة إلى ما تقدم:

•​ أنه من أسباب محبة الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾.

 • ​وأنه سبب لمعيته جل وعلا: كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟﴾.

• ومع ذلك كله الوعد الكريم من الله جل وعلا للمتقين بالخلود في جنات النعيم كما قال سبحانه: ﴿لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡا۟ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّـٰتࣱ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِيهَا نُزُلࣰا مِّنۡ عِندِ ٱلله﴾.

 وقد ذكرت نحوًا من هذا فيما سبق في موضوع: المتقون، لن يعدم خيراً من طالعه. 

١٤٤٧/١٠/١٢


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالة الناظر البصير إلى نسب المشاييخ المناصير.

ماذا تعرف عن دوقة ؟ (المسودة)

دوقة