انشقاق القمر
انشقاق القمر
الإيمان بالله تعالى يتضمن الإيمان بصفاته وأسمائه وأفعاله عز وجل..
ومن ذلك قدرته تعالى وحكمته، ونصره رسله، وما أيدهم به من الآيات الدالة على صدقهم، وإقامة الحجة على المكذبين.
فأكرم الله عز وجل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بكثير من الآيات والمعجزات، ومنها انشقاق القمر، وهذه الآية كانت حجة على الكافرين المكذبين بيوم الدين، وقد رأوها بأعينهم حقيقة، وإن جحدوها مكابرة منهم، وقالوا إنها سحر، كما أخبر الله سبحانه عنهم بقوله: {وَإِن یَرَوۡا۟ ءَایَةࣰ یُعۡرِضُوا۟ وَیَقُولُوا۟ سِحۡرࣱ مُّسۡتَمِرࣱّ}.
فقدّم تعالى في هذه السورة الخبر عن اقتراب الساعة التي يكذبون بها على انشقاق القمر الآية المشهودة لهم قال تعالى:{ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ }.
فكان من حكمة الله عز وجل إقامة الحجج على الكافرين بإرسال الرسل والآيات إعذاراً وإنذاراً كما قال سبحانه :{ وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِینَ إِلَّا مُبَشِّرِینَ وَمُنذِرِینَۚ وَیُجَـٰدِلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِٱلۡبَـٰطِلِ لِیُدۡحِضُوا۟ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوۤا۟ ءَایَـٰتِی وَمَاۤ أُنذِرُوا۟ هُزُوࣰا } وقال تعالى: { وَمَا مَنَعَنَاۤ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡـَٔایَـٰتِ إِلَّاۤ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَیۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةࣰ فَظَلَمُوا۟ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡـَٔایَـٰتِ إِلَّا تَخۡوِیفࣰا }..
وشأن الكافرين مع الرسل كلهم وما جاءوا به من الآيات التكذيب والإعراض.
وانشقاق القمر حادثة عجيبة وآية عظيمة شهدها الناس مؤمنهم وكافرهم بمكة قبل الهجرة ، وروى حديث انشقاق القمر عدة من الصحابة ، منهم:
أنس ، وجبير بن مطعم، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود. رضي الله عنهم.
قال ابن كثير رحمه في تفسيره:" قد كان هذا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم،كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة".(١).
وهذا أحدها، وهو حديث ابن مسعود: قال رضي الله عنه :" بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى، إذا انفلق القمر فلقتين.
فكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اشهدوا".( ٢)
وانشقاق القمر آية لنبينا صلى الله عليه وسلم رآها من شاء الله تلك الليلة ، وآمنا وشهدنا أنها حق وإن لم نرها بأعيننا، فقد أخبرنا الله عز وجل عنها في محكم تنزيله في سورة عرفت بسورة القمر، ونقلها لنا الصحابة رضوان الله عليهم..
وذلك عندنا أعلى درجات اليقين ..
ومن تطرق إليه أدنى قدر من الشك في حدوث انشقاق القمر فقد كفر، وضاهى الذين رأوا ذلك وقالوا سحر مستمر.
فالله مالك الكون والقادر كل شيء سبحانه والفعال لما يريد..
اختص نبيه محمد صلى الله وسلم بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة ومنها انشقاق القمر..
ومن استبعد ذلك فلعله يستبعد ما أيد الله به نبيه موسى عليه السلام من الآيات، ومنها انفلاق البحر ، حين ضربه بعصاه وعبر هو والمؤمنون معه، وأغرق الله عدوهم فرعون وقومه، قال الله سبحانه: { فَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقࣲ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِیمِ }.
فهاتان آيتان متشابهتان لموسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ..
الأولى: انشقاق البحر في الأرض طريقًا عبر منه بنو إسرائيل ونبيهم موسى عليه السلام.
والثانية : انشقاق القمر فلقتين في السماء فرآها المؤمنون وصدقوا وزاد إيمانهم ويقينهم بالله عز وجل، ورآها الكفار فكذبوا، وازدادوا كفراً وإعرضاً..
قال القرطبي رحمه الله شارحاً حديث ابن مسعود رضي الله وموضحاً له: "(قوله: انفلَقَ القمرُ) أي: انشقَّ نصفين، أي: وقع ذلك الانشقاق على حقيقته، ووُجِد ذلك بمكة بمنى، بعد أن سألت قريش رسول الله ﷺ آيةً، فأراهم انشقاقه، على نحو ما ذُكر، ثم إنَّ عبد الله بن مسعود أوضح كيفية هذا الانشقاق حتى لم يترك لقائلٍ مقالاً، فقال: وكانت فِلْقَةٌ وراء الجبل، وفِلْقَةٌ دونه. وفي رواية: فستر الجبل فِلْقَةً، وكانت فِلْقَةٌ فوق الجبل، ونحو ذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما.
وقد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة رضي الله عنهم منهم: عبد الله بن مسعود، وأنس، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة، وعلي، وجبير بن مطعم، وغيرهم. وروى ذلك عن الصحابة أمثالهم من التابعين، ثم كذلك ينقله الجمُّ الغفير، والعددُ الكثير إلى أن انتهى ذلك إلينا، وفاضت أنوارُه علينا، وانضاف إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن المتواتر عند كل إنسان، فقد حصل بهذه المعجزة العلمُ اليقينُ الذي لا يشكُّ فيه أحدٌ من العاقلين.
وقد استبعدَ هذا كثير من الملحدة، وبعض أهل المِلَّة من حيث إنه لو كان كذلك للزم مشاركة جميع أهل الأرض في إدراك ذلك.
والجواب: إن هذا إنما كان يلزم، لو استوى أهلُ الأرض في إدراك مطالعه في وقت واحد، وليس الأمر كذلك، فإنه يطلع على قوم قبل طلوعه على آخرين، فقد يكون الكسوف عند قوم، ولا يكون عند آخرين، وأيضاً: فإنما كان يلزمُ ذلك لو طال زمان الانشقاق، وتوفَّرت الدواعي على الاعتناء بالنظر إليه، ولم يكن شيء من ذلك، وإنما كان ذلك في زمن قصير شاهده من نُبّه له، وذلك أنَّ أهل مكة طلبوا من النبي ﷺ انشقاق القمر فخرج بهم إلى منى، فأراهم انشقاق القمر. فلما أراهم اللهُ ذلك قال: «اشهدوا». فقالت قريش: هذا سحرٌ. فقال بعضهم لبعض: إن كان محمدٌ سحرنا، فما يبلغ سحره إلى الآفاق، فابعثوا إلى أهل الآفاق، فبعثوا إلى آفاق مكة، فأخبروهم أنهم عاينوا ذلك. هكذا نقل النَّقلَةُ، وكم من نجم ينقضُّ وصاعقةٍ تنزلُ! وهو سمائيٌّ يختصُّ بمشاهدته بعض الناس دون بعض، ثم إنها كانت آية ليلية، وعادة الناس في الليل كونهم في بيوتهم نائمين، ومُعرضين عن الالتفات إلى السماء إلا الآحاد منهم، وقد يكون منهم من شاهد ذلك، فظنَّه سحاباً حائلاً، أو خيالاً حائلاً، وعلى الجملة فالموانع من ذلك لا تنحصرُ، ولا تنضبطُ، والذي يحسمُ مادة الخلاف بين أهل مِلَّتنا أن نقول: لا بعدَ في أن يكون الله تعالى خرق العادة في ذلك الوقت، فصرف جميع أهل الأرض عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة لتختصَّ مشاهدة تلك الآية بأهل مكة كما اختصُّوا بأكثر مشاهدة آياته؛ كحنين الجذع، وتسبيح الحَصى، وكلام الشجر، إلى غير ذلك من الخوارق التي شاهدوها، ونقلوها إلى غيرهم.. ".(٢)
والحقيقة التي لا مناص منها هي أن الكفر يمنع من معرفة الحق والانصياع له مهما توالت الآيات والنذر، قال الله عز وجل: { وَكَأَیِّن مِّنۡ ءَایَةࣲ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ یَمُرُّونَ عَلَیۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ }.
١/القعدة/١٤٤٧
—----
١- تفسير القرآن العظيم: ٤٤٧/٧
٢-[صحيح البخاري: ٣٦٣٦ ، وصحيح مسلم: ٢٨٠٠]
٣- المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم/ التفسير/ سورة القمر: ٤٠٤،٤٠٣/٧
تعليقات
إرسال تعليق