لقاء الأحبة والفوز الكبير..
لقاء الأحبة والفوز الكبير!
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
فبين يديك أيها القارئ الكريم
خبر الرحلة للقاء الأحبة، والفوز الكبير.
وقبل الشروع في تفاصيل هذا الحدث الفريد، أود تذكير نفسي وإياك باغتنام العمر في الاستعداد للقاء الله، وملازمة التقوى، والمبادرة بالأعمال الصالحة امتثالاً لقول الله تعالى:{وَسَارِعُوۤا۟ إِلَىٰ مَغۡفِرَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِینَ }.
والأن لنبدأ الحديث عن قصة اللقاء الرائع ذلك المشهد الذي يعجز الواصف عن التعبير عنه..
ستأخذك أحداثه مباشرة إلى مقام لم يخطر اليوم ببالك..!
لم تر عين مثله، ولم تسمع أذن، ولم تخطر على قلب بشر حقيقته !!!
ولكن اسمح لعقلك بأن يتخيل ما أقول، وأن يعيش اللحظة ويتأمل الموقف كأنه يعاينه، وستجد في نهاية المطاف أن الحلم الذي كان يراودك كثيراً سيصبح حقيقة.!
وهذا اللقاء جدير بكل عاقل السعي للفوز به !!
فعلى بركة الله نبدأ..!
الموقف مفاجئ والمقام عظيم يجل عن الوصف..!
الله أكبر!
لتْوّ دلفتَ من باب عرضه مسيرة أربعين عاماً.
وهذه الخطوات الأولى في الجنة..!
توقفت مشدوهاً، تغمض عينيك وتفتحمها وتنظر هنا وهناك، سبحان الله!
ويطرق سمعك صوتٌ نديٌّ كريم: {ادخلوها بسلام آمنين..} {هذه الجنة التي كنتم توعدون}.!!
فبدرت منك العبارة المليئة بأصدق المشاعر: الحمد لله..!!
الحمد لله الذي صدقنا وعده..
دخلت الجنة..
ونظرت يميناً وشمالاً
وأدركت أن ما أنت فيه حق، وأنك في دار النعيم المقيم !
وأمام عينيك شخصان كريمان عظيمان، حبيبان إلي قلبك!!
والداك..!
أمك وأبوك على سرر من ذهب، في قبة من خيام الحرير طولها ستون ميلاً، يلبسان السندس والإستبرق ، تلمع وجوههما كالقمر، أو أشد منه نوراً !!
ثم وقفت بين أيديهما لحظة كأنك تدفع غشاوة عن بصرك، ثم ألقيت بنفسك مسلماً مشتاقاً، قد بلغ بك السرور منتهاه !!
قبل لحظات فرغت من أهوال الحساب، وعبرت جسر جهنم بعد أن بلغ قلبك حنجرتك أو كاد.. خوفاً ورعباً..! من هول جهنم وهي تتلظى، والصراط تحت قدميك يتكفأ ، ويضطرب يمنةً ويسرة ، ويتساقط أناس من أمامك ومن خلفك، وتتخطف بعضهم كلاليب النار..!
والآن .. وأنت في لقاء مشهود، لو يحصل لك الطيران لحظتها لطرت سروراً برؤيتهما ، وبنجاتك من ذلك الكرب العظيم، !
ثم أنت الآن بين يدي أحب الناس إليك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما إن خطوت الخطوة الأولى في الجنة حتى أطلقت زفرة نفَسٍ عريضة، ثم التفتَ خلفك ، وأيقنت أنك نجوت من النار الموقدة.
والخطوة الأخرى وها أنت في جنة عرضها السموات والأرض، وأمام والديك.. !
فسلّم عليهما، وقبلهما.. !
بشّرهما أنك نجوت.. وفزت..!
عش الفرحة بكل جزئياتها بكل تفاصيلها..
ثم كأني بك وأنت تهتف جذِلاً !
أبي..أمي..!
هؤلاء أولادي، هؤلاء إخوتي وأخواتي، هؤلاء أهلي!!
الحمد لله ..!
الحمد لله قد نجوا جميعاً، هاهم قد دخلوا الجنة!!
فأحطتم بوالديكم!
فيا لها من لحظة لا يوصف نعيمها.. بل ويعجز عن الحمد والشكر من عاشها..
إنه ليس لقاءً عابراً!
إنه لقاء في مقعد صدق عند مليك مقتدر!!
إنه ليس مجرد لقاء من تحب فحسب !!.
إنه لقاء بعد فراق طويل.. طويل!
وغياب موحش لسنين لا يحصي عددها إلا الله..
مذ تفرقتم في دار الدنيا..
فكم تُرى مكثتم في الأجداث؟ وكم كانت مدة العرض والحساب يوم الفصل؟
وبعد الفراغ من أحداث ذلك اليوم وبعد النجاة من النار.. ها أنتم أولائي قد اجتمع شملكم ، فلا فراق بعده، واستمتعتم جميعاً بلقاء والديكم وأحبابكم تحت قبة عظيمة من قباب الجنة تتلألأ نوراً، ويملأ الأرجاء طيبها عبيراً !
{ فِی جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِیمِ • عَلَىٰ سُرُرࣲ مُّتَقَـٰبِلِینَ • یُطَافُ عَلَیۡهِم بِكَأۡسࣲ مِّن مَّعِینِۭ • بَیۡضَاۤءَ لَذَّةࣲ لِّلشَّـٰرِبِینَ • لَا فِیهَا غَوۡلࣱ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا یُنزَفُونَ.. }..
قد ألقيتم عن كواهلكم عناء الدنيا وكرب وأهوال موقف الحساب .
فهل بوسعك ياعبد الله أن تعبّر عن ما يختلج في صدرك من فرح وسرور بذلك اللقاء؟!!
فكأني بك وأنت في ذلك المقام تتلو متمثلاً قول الله تعالى:{ إِنَّ ٱلۡمُتَّقِینَ فِی جَنَّـٰتࣲ وَنَعِیمࣲ • فَـٰكِهِینَ بِمَاۤ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِیمِ • كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ هَنِیۤـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ• مُتَّكِـِٔینَ عَلَىٰ سُرُرࣲ مَّصۡفُوفَةࣲۖ وَزَوَّجۡنَـٰهُم بِحُورٍ عِینࣲ}.
وتتابع التلاوة{ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّیَّتُهُم بِإِیمَـٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَمَاۤ أَلَتۡنَـٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَیۡءࣲۚ كُلُّ ٱمۡرِىِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِینࣱ • وَأَمۡدَدۡنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةࣲ وَلَحۡمࣲ مِّمَّا یَشۡتَهُونَ • یَتَنَـٰزَعُونَ فِیهَا كَأۡسࣰا لَّا لَغۡوࣱ فِیهَا وَلَا تَأۡثِیمࣱ • وَیَطُوفُ عَلَیۡهِمۡ غِلۡمَانࣱ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤࣱ مَّكۡنُونࣱ • وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ یَتَسَاۤءَلُونَ • قَالُوۤا۟ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِیۤ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِینَ} ..
وتردد مراراً قول ربك سبحانه:{إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِیۤ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِینَ • فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ}.
دع خيالك يحلّق في رياض الجنة..!
ودع روحك تستنشق نسيم الأنس برضوان الله..!
ألم تكن تقرأ في الدنيا قول ربك في تنزيله :{یَـٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَیۡكُمُ ٱلۡیَوۡمَ وَلَاۤ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ • ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسۡلِمِینَ • ٱدۡخُلُوا۟ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَ ٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ • یُطَافُ عَلَیۡهِم بِصِحَافࣲ مِّن ذَهَبࣲ وَأَكۡوَابࣲۖ وَفِیهَا مَا تَشۡتَهِیهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡیُنُۖ وَأَنتُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ • وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِیۤ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ • لَكُمۡ فِیهَا فَـٰكِهَةࣱ كَثِیرَةࣱ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ}.!!
والآن وأنت تؤمن بهذا كله، وترجو الله أن يحقق لك ذلك فتجتمع بوالديك وأهلك في ظل تلك القباب الوارفة، والقصور العالية، وأنهار العسل والماء واللبن والخمر تنساب عن يمين وشمال ، والثمار متدنية كل قِطف ألذ من سابقه.
فهل تتصور أيها المؤمن جمال ذلك اللقاء، والحبور الذي شملكم، والنعيم الذي ملأ القلوب والأبصار لذة وأنساً !
طوّف بخيالك حيث أردت، ودع فكرك ينقلك إلى حيث شئت من رياض الجنة وقصورها، ورتل ما شئت أن ترتل من آيات الذكر الحكيم، وألق لها سمعك وقلبك: {إِنَّ ٱلۡمُتَّقِینَ فِی جَنَّـٰتࣲ وَعُیُونٍ • ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ءَامِنِینَ • وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَ ٰنًا عَلَىٰ سُرُرࣲ مُّتَقَـٰبِلِینَ • لَا یَمَسُّهُمۡ فِیهَا نَصَبࣱ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِینَ • نَبِّئۡ عِبَادِیۤ أَنِّیۤ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ • وَأَنَّ عَذَابِی هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِیمُ }.
ثم ننتقل إلى لقاء أسمى، ومقام أسنى، ونعيم أعلى، إلى الفوز الكبير، والوفود إلى الرب العظيم، كما قال سبحانه: { إِنَّ ٱلۡمُتَّقِینَ فِی جَنَّـٰتࣲ وَنَهَرࣲ • فِی مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِیكࣲ مُّقۡتَدِرِۭ }
فأخبر عز وجل عن ذلك في محكم تنزيله فقال :{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَا وَمَسَـٰكِنَ طَیِّبَةࣰ فِی جَنَّـٰتِ عَدۡنࣲۚ وَرِضۡوَ ٰنࣱ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَ ٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ }.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :". إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً". (١)
وقال في الحديث الآخر:"إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل".(٢)
وتأمل ياعبد الله هذا النداء الكريم من الملك العظيم، فألق له سمعك وأحضر قلبك، قال الله عز وجل: {وَٱللَّهُ یَدۡعُوۤا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَ ٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ • لِّلَّذِینَ أَحۡسَنُوا۟ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِیَادَةࣱۖ وَلَا یَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرࣱ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ }.
يصور ابن القيم ذلك المشهد فيقول: " الجنة دار النعيم المطلق الكامل. ومن أعظم نعيمها: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه ورضوانه، فأيسر يسير من رضوانه : أكبر من الجنان وما فيها من ذلك. كما قال تعالى { ورضوان من الله أكبر }
وفي الحديث الصحيح - حديث الرؤية -"فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجهه "، فأي نعيم ، وأي لذة ، وأي فوز يُداني نعيم تلك المعية ولذتها، وقرة العين بها، وهو أجل مما يخطر بالبال ، أو يدور في الخيال". (٣)
فقد قال الله وهو أصدق القائلين :{ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَا وَمَسَـٰكِنَ طَیِّبَةࣰ فِی جَنَّـٰتِ عَدۡنࣲۚ وَرِضۡوَ ٰنࣱ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَ ٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ }.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما ومافيهما، ومابين القوم وبين أن ينظروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن".(٤)
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم إنا نسألك وعدك الصدق الذي وعدتنا، وإن لم نبلغه بأعمالنا، فحقق رجاءنا، يا ذا الجلال والإكرام.
الجمعة: ١٤٤٧/٨/٢٥
------------------------------
١-صحيح البخاري: ٦٥٤٨، وصحيح مسلم: ٢٩٢٨
٢- صحيح مسلم: ١٨١
٣- (مختصرا من مدارج السالكين: ٨٠/٢)
٤- البخاري: ٤٨٧٨، ومسلم: ١٨٠
تعليقات
إرسال تعليق