موجز السيرة
موجز السيرة
النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام
الحمد لله والصلاة والسلام على من بعثه الله بالهدى ودين الحق، وأرسله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً ، وجعله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين.
وبعد:
فهذا عرض موجز لسيرة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اخترته ونقلته من أمهات كتب السيرة.
نسبه صلى الله عليه وآله وسلم:
هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي..
وينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام.
يلتقي نسب أبيه بأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة في كلاب بن مرة.
كان أول أمره صلى الله عليه وسلم أنه دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
مولده ورضاعته:
ولد عليه الصلاة والسلام بمكة عام الفيل لسنة ٥٧١ من الميلاد.
ومات أَبوه وهو ببطن أمه.
أرضعته صلى الله عليه وسلم بعد مولده ثويبة مولاة أبي لهب، ثم حليمة السعدية وبقي عندها نحو أربع سنِين، ورأتْ من بركاته شيئاً كثيراً، وشُقّ صَدرُه وهو عندها، ومُلئ إِيمانًا وحكْمَة.
نشأته صلى الله عليه وسلم:
لما بلغ ست سنِين مضت بِه أمه إِلى أَخْواله بالمدينة لتزورهم، فلما عادت به مرضت بالأبواء وماتت بها، فحضنته مولاته أم أَيمن. وكفله جده عبد الْمطلب، ثم توفي والنَّبي صلى الله عليه وسلم في الثامنة من عمره، فكفله بعده عمه أَبو طالب، وقد أحبه وعطف عليه، ولذلك خرج به في رحلته إِلى الشَّام.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم لقريش، وقد صانه الله وحماه في صغره، وطهّره من دنس الجاهلية ومن كل عيب، ومنحه كل خلق جميل، وعُرف بالصدق والأمانة، لذلك اختارته خديجة بنت خويلد ليخرج في تجارة لها إلى الشام، فباع واشترى وربح .
زواجه بأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها.
بعد عودته من الشام خطب خديجة وتزوجها وهو في الخامسة والعشْرين من العمر، ورزقه الله منها أولاده: عبدالله والقاسم، وماتا صغيرين، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.
وَلما بلغ من العمر خمْساً وثلاثينَ سنة شهد بُنيان الكعبة وشارك فيه، ورضيت قريْش بحكمه عندما اختلفوا في وضع الحجر الْأسود في موضعه.
نبوته صلى الله عليه وسلم:
لما أكمل صلى الله عليه وسلم أَربعين سنة بعثه الله عز وجل برسالته إلى النَّاس كافة بشيراً ونذِيراً.
وكان قد حُبِّبَ إليه التعبد في غار حراء؛ فلم يشعُر في إحدى المرات إلا وقد فجأه جبريل وقال له: اقرأ، فقال ما أنا بقارئ. فغطّه جبريل مرتين أو ثلاثا ليهيئه لتلقي القرآن العظيم، فأول ما أنزل الله عليه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...}. الآيات الخمس من سورة العلق.
فرجع إلى خديجة- بأبي هو وأمي- ترعد فرائصه من الفرَق، وأخبرها بما رآه وما جرى عليه، فقالت خديجة رضي الله عنها: "أبشر، فو اللهِ لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"، أي: ومن كانت هذه صفته فإنها تستدعي نِعماً من الله أكبر منها وأعظم، وكان هذا من توفيق الله لها رضي الله عنها ولنبيه صلى الله عليه وسلم، ومن تهوين القلق الذي أصابه. فكانت له نِعمَ الزوجة، ونعِم السند والرفيق. وكانت رضي الله عنها أول من آمن به صلى الله عليه وسلم .
وأسلم أَبو بكر الصدّيق، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وخالد بن سعيد بن العاص، ثمَّ أسلم عثمان بن عفان وطلحة، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح. وسعيد بن زيد، رضي الله عنهم.
ثم فتر عنه الوحي مدة ليشتاق إليه، وليكون أعظم لموقعه عنده، فرأى الملَك على صورته فدُهش وسقط على الأرض، فعاد إلى خديجة، وقال:" دثروني دثروني"، فأنزل الله عليه:{يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ • قُمْ فَأَنْذِرْ • وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ • وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ • وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ • وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ • وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ}.
الدعوة:
فكان في هذه الآيات الأمر بدعوة الخلق وإنذارهم، فشمّر صلى الله عليه وسلم وقوَّى الله عزمه، ومضى يدعو إلى ربه عز وجل، فأسلم جماعة من الصحابة منهم عمه حمزة بن عبد المطلب، والأرقم بن أبي الأرقم، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وبلال، وعمار بن ياسر، وعمر بن الخطاب، وصهيب، وخباب، وغيرهم.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو الناس مستخفياً حتى أنزل الله سبحانه عليه قوله:{وأنذر عشيرتك الأقربين} فجهر بالدعوة ومضى صلى الله عليه وسلم يدعو قومه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن.وكان من شأن كفار قريش أنهم إذا دعاهم صموا آذانهم كيلا يسمعوا القرآن، وجعلوا يسبونه ، فأنزل الله على رسوله آيات كثيرة في هذا المعنى يبين حالهم مع سماع القرآن فمن ذلك قوله:{ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ • كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ • فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ}.
موقف كفار قريش من الدعوة:
وفكّرَ رؤساؤهم في الشر، وقدّروا ونظروا فيما يقولون عن القرآن ويصفونه به؛ لينفّروا الناس عنه. حتى قال الوليد بن المغيرة:" إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر". ولكن أبى الله إلا أن يعلو هذا الكلام كلَّ كلام، ويُزهق هذا الحق كل باطل، وكانوا من إفكهم يقولون في القرآن الأقوال المتناقضة، يقولون عنه: إنه سحر، إنه كهانة، إنه شعر، إنه كذب، وإنه أساطير؛ كل ذلك بسبب البغض الذي أحرق قلوبهم، وكلما قالوا قولاً من هذه الأقوال، أنزل الله آياتٍ يبطل بها ما قالوا، ويبيّن افتراءهم وتناقضهم. قال تعالى: {وَإِذا تُتلى عَلَيهِم آياتُنا بَيِّناتٍ قالوا ما هذا إِلّا رَجُلٌ يُريدُ أَن يَصُدَّكُم عَمّا كانَ يَعبُدُ آباؤُكُم وَقالوا ما هذا إِلّا إِفكٌ مُفتَرًى وَقالَ الَّذينَ كَفَروا لِلحَقِّ لَمّا جاءَهُم إِن هذا إِلّا سِحرٌ مُبينٌ}. وقال سبحانه: {بَل قالوا أَضغاثُ أَحلامٍ بَلِ افتَراهُ بَل هُوَ شاعِرٌ فَليَأتِنا بِآيَةٍ كَما أُرسِلَ الأَوَّلونَ}.
وكانوا أيضاً يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم: لو أنّ محمداً صادق لأنزل الله ملائكة يشهدون له بذلك، ولأغناه عن المشي في الأسواق، وطلب الرزق {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ..}.
ولقد سعوا أشد السعي أن يكفّ عن عيب آلهتهم، والطعن في دينهم، لعلمهم أن آلهتهم ليس لها من الصفات ما تستحق به شيئاً من العبادة، ويعلمون أن ما هم عليه هو الباطل. فكانوا يقترحون الآيات عنادًا منهم وبحسب أهوائهم، ويكيدون له بكل سبيل، ويقولون: إن كنت صادقا فأتنا بعذاب الله، أو بما تعدنا، أو أزِل عنا هذه الجبال، واجعل لنا أنهاراً وعيوناً، وحتى يحصل لك كذا وكذا مما ذكره الله سبحانه عنهم، {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا • وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا • أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا • أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا • أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا}،
ويقدحون في الرسول عليه الصلاة والسلام قدحاً يعترضون فيه على الله عز وجل، في اختياره محمداً لتنزيل القرآن عليه دون غيره، كما قال الله عنهم:{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ • أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }، فيجيبهم الله بأن ذلك فضله تعالى يؤتيه من يشاء، فيقول: { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.
تأييد الله لنبيه عليه الصلاة والسلام:
فأيّد الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم بالآيات، وهو سبحانه أعلم بما ينزّل من آياته ، وأعلم بما هو أنفع لهم .
وقد حصل المقصود من بيان صدق رسوله صلى الله عليه وسلم، وقامت الأدلة والبراهين على ذلك.
بعض مالقيه صلى الله عليه وسلم من الأذى في سبيل الدعوة:
ولقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لا يُحتمل، فلم يثنه ذلك عن مواصلة الدعوة إلى توحيد الله، يقرر ذلك بالبراهين والآيات المتنوعة، ويحذر من الشرك والشرور كلها منذ بعثه الله إلى أن استكمل نحو عشر سنين من بعثته، وهو يدعوهم في مواسم الحج وفي الأسواق ومجالسهم، فلم يلق منهم إلا الصدود والتكذيب والعناد والأذى. وربه عز وجل يعِده ويصبّره فيقول: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}، ويقول الله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ}.
ثم أذِن صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة عندما اشتد أذى المشركين لهم.
وحوصر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وبنو هاشم في الشِعب ثلاث سنين، وامتنعت قريش من المعاملة معهم حتى بلغ بهم الجهد أن أكلوا ورق الشجر.
وعندما اشتد الحال بنبي الله صلى الله عليه وسلم وتعاظم تكذيب قومه وأذاهم له خصوصاً بعد وفاة عمه أبي طالب، وزوجته خديجة رضي الله عنها خرج إلى الطائف يدعوهم، فلم يلق منهم إلا التكذيب والأذى، فرجع صلى الله عليه وسلم إلى مكة حزيناً لإعراض قومه عن دين الله.
الإسراء والمعراج:
لم يمكث عليه الصلاة والسلام بعد عودته من الطائف إلا يسيراً حتى أسرى الله تعالى به إلى المسجد الأقصى قال عز وجل:{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا..}
وعرَج به جبريل إلى السموات السبع، ورأى الأنبياء هناك، ورحبوا به، وسلموا عليه، ولم يزل يرقى حتى بلغ سدرة المنتهى ، وقرّبه ربه وكلّمه وفرض عليه الصلوات الخمس، ثم عاد من ليلته، وأخبر الناس بذلك، ثم جاءه جبريل من الغد فعلَّمه أوقات الصلاة وكيفيَّاتها، فكان فرض الصلوات الخمس قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين.
انتشار الإسلام في المدينة وبيعة العقبة.
وبلغ الإسلام المدينة وانتشر فيها. وكان من جملة أسباب ذلك:
أن الأوس والخزرج كانوا جيراناً لليهود، وقد أخبروهم أنهم ينتظرون نبياً قد أظل زمانه، وذكروا من أوصافه ما دلهم عليه.
فلما لقي النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الأوس والخزرج في موسم الحج عند العقبة بمنى، وسمعوا كلامه وتيقنوا أنه رسول الله، أسلموا وبايعوه على حمايته ونصرته.
وأما اليهود فاستولى عليهم الحسد والشقاء، فلما جاءهم ما عرفوا من الحق كفروا به.
وكان المسلمون في مكة في أذًى شديدٍ من قريش، فأذِن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة أولاً إلى الحبشة، ثم لما أسلم كثير من أهل المدينة أذن بالهجرة إليها.
تآمر كفار قريش لقتل النبي صلى الله عليه وسلم.
عندما بلغ كفار قريش خبر بيعة العقبة تخوفوا عاقبة ذلك، فاجتمع كبراؤهم في دار الندوة يريدون القضاء التام على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فاتفق رأيهم على أن ينتخبوا من كل قبيلة رجلاً شجاعاً، فيجتمعون ويضربونه بسيوفهم ضربة واحدة. لأجل أن يتفرق دمه في القبائل، فتعجز بنو هاشم عن مقاومة قريش فيرضون بالدية. يقول الله عز وجل: {وَإِذ يَمكُرُ بِكَ الَّذينَ كَفَروا لِيُثبِتوكَ أَو يَقتُلوكَ أَو يُخرِجوكَ وَيَمكُرونَ وَيَمكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الماكِرينَ}.
الهجرة:
جاء الوحي من الله عز وجل بما تآمر عليه المشركون ، وأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة ، فأخبر عليه الصلاة والسلام أبا بكر بذلك، فطلب رضي الله عنه من النبي الصحبة، فأجابه صلى الله عليه وسلم، وأمر عليّاً أن ينام على فراشه، وخرج هو وأبو بكر إلى غار في جبل ثور .
وأما الكفار فما زالوا يرصدونه حتى برق الفجر. ثم ذهبوا يطلبونه في كل وجهةٍ، وجعلوا الجوائز الكثيرة لمن يأتي به، ووصلوا الجبل الذي فيه الغار يطلبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ وأنزل الله جل وعلا : {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة ومعه أَبُو بكر الصّديق، ونجّاه الله من مكر المشركين وكيدهم.
دخوله صلى الله عليه وسلم المدينة.
فلما وصل صلى الله عليه وسلم استقبله الأنصار فرحين مستبشرين، ونزل صلى الله عليه وسلم بقباء أياماً وبنى بها مسجد قباء، ثمَّ لحق به علي بن أبي طَالب رضي الله عنه، فقد تأخّر بمكة لرد ما كان عند النبي من الودائع للنَّاس.
ثم سار صلى الله عليه وسلم حتَّى بركت ناقته في موضع مسجده اليوم . فنزل صلى الله عليه وسلم على أبي أَيوب الأنصاري رضي الله عنه حتى بنى المسجد وحجرات أهله.
التشريع:
كان من أوائل التشريع بالمدينة أن أُتِمّت صلاة الحضر، فقد كانت الصلاة أول ما شرعت ركعتين ركعتين. ثم تحولت القِبلة من بيت المقدس إِلى الكعبة بعد نحوٍ من سبعة عشر شهراً. وفُرِض الصوم وزكاة الفطر في السنة الثانية للهجرة.
ثم أذِن الله عز وجل في قتال المشركين فقال تعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}.
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرسل السرايا إلى مختلف النواحي.
غزوة بدر.
في رمضان من السنة الثانية للهجرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر يعترض عِيراً لقريش، تحمل تجارة عائدة من الشام، خرج صلى الله عليه وسلم بمن خف من أصحابه في طلبها، فلما علمت قريشٌ بذلك خرجت لحماية القافلة ، وتوافوا في بدر على غير ميعاد، ونجت العِير، والتقى الرسول وأصحابه بقريش، وكانوا ألفا كاملي العُدد والخيل، والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر على سبعين بعيراً يتعقبونها، فهزم الله المشركين هزيمة عظيمة، فقُتل سبعون من كُبرائهم منهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية بن خلف، وأُسر مَن أُسر منهم، وأصاب المشركين مصيبةٌ ما أُصيبوا بمثلها.
ففي هذه الغزوة أنزل الله سورة الأنفال، فمن ذلك قوله تعالى:{وَإِذ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ • لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ• إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}.
وأحل الله للمؤمنين الغنائم فقال تعالى: { وَاعلَموا أَنَّما غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسولِ وَلِذِي القُربى وَاليَتامى وَالمَساكينِ وَابنِ السَّبيلِ إِن كُنتُم آمَنتُم بِاللَّهِ وَما أَنزَلنا عَلى عَبدِنا يَومَ الفُرقانِ يَومَ التَقَى الجَمعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ • إِذ أَنتُم بِالعُدوَةِ الدُّنيا وَهُم بِالعُدوَةِ القُصوى وَالرَّكبُ أَسفَلَ مِنكُم وَلَو تَواعَدتُم لَاختَلَفتُم فِي الميعادِ وَلكِن لِيَقضِيَ اللَّهُ أَمرًا كانَ مَفعولًا..} الآيات
وبعد رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مظفّراً منصوراً، ذلّ من بقي ممن لم يُسلم من الأوس والخزرج، ودخل بعضهم في الإسلام نفاقاً، ولذلك فجميع الآيات التي نزلت في المنافقين إنما كانت بعد غزوة بدر.
وفي السنة الثالثة للهجرة نقض يهود بني قينقاع العهد فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم فأجلاهم، وغنِم المسلمون أموالهم.
غزوة أحد
حدثت هذه الغزوة في السنة الثالثة من الهجرة حين أراد مشركو قريش الثأر لما أصابهم يوم بدرٍ، فأجمعوا على غزو المسلمين، فلما وصلوا أطراف المدينة، خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه وعبأهم ورتبهم، ورجع عبد الله بن أُبي بن سلول بمن معه من المنافقين، والتقى المسلمون بالمشركين عند جبل أُحد، وكانت الدائرة في أول الأمر على المشركين فقُتل منهم أربعة عشر رجلاً.
ثم إن الرماة تركوا مكانهم الذي رتبهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا فرار المشركين، وظنوا انتهاء المعركة ؛ فجاءت خيل المشركين من خلفهم؛ فاختلت صفوف المؤمنين فجُرح النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابه، وأكرم الله تعالى بالشهادة في سبيله جماعة، منهم حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش وسعد بن الربيع، وأنس بن النضر، وعبد الله بن عمرو بن حرام، رضي الله عنهم، قال الله تعالى في هذا الشأن : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ • إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
إجلاء يهود بني النضير
في السنة الرابعة نقض يهود بني النضير العهد، فقد هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فغزاهم وحاصرهم، فاحتموا بحصونهم، ووعدهم حلفاؤهم المنافقون نُصرتهم، فألقى الله الرعب في قلوب اليهود، فوافقوا على أن يجلوا عن ديارهم ولهم ما حملت إبلهم، ويدعوا الأرض والعقار وسائر الأموال غنيمة للمسلمين؛ فأنزل الله فيهم قوله سبحانه:{هُوَ الَّذي أَخرَجَ الَّذينَ كَفَروا مِن أَهلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِم لِأَوَّلِ الحَشرِ ما ظَنَنتُم أَن يَخرُجوا وَظَنّوا أَنَّهُم مانِعَتُهُم حُصونُهُم مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيثُ لَم يَحتَسِبوا وَقَذَفَ في قُلوبِهِمُ الرُّعبَ يُخرِبونَ بُيوتَهُم بِأَيديهِم وَأَيدِي المُؤمِنينَ فَاعتَبِروا يا أُولِي الأَبصارِ..} .
فرض الحجاب
فرض الله الحجاب على نساء هذه الأمة يوم زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها، فقال سبحانه:{ وَإِذا سَأَلتُموهُنَّ مَتاعًا فَاسأَلوهُنَّ مِن وَراءِ حِجابٍ ذلِكُم أَطهَرُ لِقُلوبِكُم وَقُلوبِهِنَّ..}، وقال تعالى :{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ المُؤمِنينَ يُدنينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابيبِهِنَّ ذلِكَ أَدنى أَن يُعرَفنَ فَلا يُؤذَينَ وَكانَ اللَّهُ غَفورًا رَحيمًا}.
غزوة الأحزاب
في سنة خمس من الهجرة حدثت غزوة الخندق، فقد تحزبت قريش وغَطَفان، وظاهَرهم بنو قريظة من اليهود، وجمعوا نحو عشرة آلاف مقاتل وقصدوا المدينة، ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم، أمر بحفر خندق بين حرتي المدينة، وعسْكر بالمسلمين، وجاء المشركون كما وصفهم الله تعالى بقوله:{ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}.
ومكث الأحزاب محاصرين المدينة نحو من شهر، وحصلت بين الطرفين مناوشات حين حاولوا اجتياز الخندق، وطال الحصار واشتد الأمر على المسلمين، ثم إن الله أرسل على المشركين الريح والملائكة، وزلزلهم، فقال عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اذكُروا نِعمَةَ اللَّهِ عَلَيكُم إِذ جاءَتكُم جُنودٌ فَأَرسَلنا عَلَيهِم ريحًا وَجُنودًا لَم تَرَوها..}، فانخذل الكفار، وولوا إلى ديارهم خائبين، كما قال سبحانه: { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذينَ كَفَروا بِغَيظِهِم لَم يَنالوا خَيرًا وَكَفَى اللَّهُ المُؤمِنينَ القِتالَ}.
غزوة بني قريظة
بعد تفرق الأحزاب ورجوعهم ، تفرّغ النبي صلى الله عليه وسلم لبني قريظة الذين ظاهروا المشركين بقولهم وفعلهم، ونقضهم ما كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من عهد ، فحاصرهم، حتى نزلوا على حُكم سعد بن معاذ، فحَكَم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، قال الله تعالى:{وَأَنزَلَ الَّذينَ ظاهَروهُم مِن أَهلِ الكِتابِ مِن صَياصيهِم وَقَذَفَ في قُلوبِهِمُ الرُّعبَ فَريقًا تَقتُلونَ وَتَأسِرونَ فَريقًا..}.
عمرة وصلح الحديبية
في السنة السادسة من الهجرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه قاصدين العمرة، وكان البيت لا يُصدُّ عنه أحد، غير أنّ المشركين عزموا على صد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
فلما بلغ صلى الله عليه وسلم الحديبية أخذت المشركين حمية الجاهلية فمنعوه من دخول مكة.. ثم جرى بينهم الصلح على أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم عامه هذا، ويكون قضاء عمرته من العام المقبل. وأن تضع الحرب أوزارها بينهم عشر سنين.
فكره جمهور المسلمين هذا الصلح حين توهموا أن فيه غضاضة عليهم، ولم يطلعوا على ما فيه من الحِكم والمصالح الكثيرة، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم عامه ذلك.
ثم اعتمروا في عام سبع من الهجرة، فأنزل الله سورة الفتح فقال تعالى: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا • وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا }.
فقد تمكن المسلمون بموجب ذلك الصلح من الدعوة إلى الإسلام، فدخل الناس في دين الله حين شاهدوا ما فيه من الخير والصلاح والنور.
ثم تفرغ النبي صلى الله عليه وسلم للدعوة ونشر الدين، وكاتب الملوك يدعوهم إلى دين الله.
فتح خيبر
بعد تفرق الأحزاب أصبحت خيبر مقراً لدسائس ومؤامراة اليهود ومن معهم من المشركين..
ففي السنة السابعة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة لفتح خيبر، فاحتمى اليهود بحصونهم ، وحاصرهم صلى الله عليه وسلم وقاتلهم، فنصره الله تعالى عليهم، وفتح حصونهم، وسبى ذراريهم، وغَنِم أموالهم.
فتح مكة
وفي السنة الثامنة من الهجرة نقضت قريش العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فغزاهم في ما يقارب عشرة آلاف من المسلمين، ودخل مكة صلى الله عليه وسلم فاتحاً لها،فأسلم أهل مكة، وطهّر البيت من الأصنام وخطب في الناس وذكر حرمة مكة فقال صلى الله عليه وسلم : " إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة.. ".
غزوة حنين
ثم بعد الفتح خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوازن حين سمع بجمعهم في حنين، وقد كمن المشركون للمسلمين، ورموهم بالنبال من كل صوب ، واشتد الأمر على المؤمنين، فثبتت منهم كوكبة فيهم رسول الله وخيار الصحابة حتى نصرهم الله، وانهزم المشركون وتركوا نساءهم وأموالهم فغنمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله عز وجل:{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ • ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ }.
وفود القبائل
لما عاد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدِمَ عليه وفد ثقيف، ثم وفدت سائر القبائل مسلمة طائعة، كما قال الله سبحانه{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ • وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا}
فأرسل صلى الله عليه وسلم معهم بعض الصحابة يعلمونهم التوحيد، ويفقهونهم في الدين أمثال: معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم..
غزوة تبوك
في سنة تسع سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، ولم يتخلف إلا أصحاب الأعذار، وأناس من المنافقين، وكان الحر شديداً، والشُقة بعيدة، فلما وصل إلى تبوك مكث بها عشرين يومًا، فلم يلق كيداً، وصالح أهل تلك النواحي، على الجزية، وأسلم بعضهم، ثم رجع إلى المدينة؛ فأنزل الله تعالى آيات من سورة التوبة، ذكر فيها بعض أحداث هذه الغزوة وشدتها، أثنى فيها على المؤمنين، وذم المنافقين وتخلفهم، وذكر توبته عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، فقال تعالى:{ لَقَد تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهاجِرينَ وَالأَنصارِ الَّذينَ اتَّبَعوهُ في ساعَةِ العُسرَةِ مِن بَعدِ ما كادَ يَزيغُ قُلوبُ فَريقٍ مِنهُم ثُمَّ تابَ عَلَيهِم إِنَّهُ بِهِم رَءوفٌ رَحيمٌ}.
فرض الحج
وفي تلك السنة فرض الله الحج على المسلمين، وحج أبو بكر رضي الله عنه بالناس سنة تسع، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبذ إلى المشركين عهودهم.
حجة الوداع
في السنة العاشرة أعلم النبي صلى الله عليه وسلم الناس بعزمه على الحج عامه ذلك، فتوافد كثير من المسلمين على المدينة لأداء فريضة الحج..
خرج صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، وأحرم هو والمسلمون من ذي الحليفة ومعهم الهدي، مهلين بالحج حتى دخلوا مكة وطافوا بالبيت وسعوا، وتحلل من من كان متمتعاً وبقي النبي صلى الله وسلم ومن كان قارنًا على إحرامه، وأعلمهم بمناسك الحج والعمرة بقوله وفعله، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: "خذوا عني مناسككم".
ثم ساروا إلى منى يوم التروية، وصعدوا يوم التاسع إلى عرفة، فصلى بها صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جمعاً وقصراً وخطب الناس خطبته المشهورة..
وخطب يوم النحر فقال صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فسيسألكم عن أعمالكم، أَلا فلا ترجعوا بعدي ضُلاّلاً يضرب بعضكم رقاب بعض، أَلا ليبلغ الشاهد الغائب".
وأنزل الله عليه يومئذ قوله: {ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِینࣰاۚ}،
وبعد غروب الشمس دفع إلى المزدلفة، وصلى بها المغرب والعشاء وبات بها إلى أن صلى الصبح، فسار إلى منى، ورمى جمرة العقبة، ونحر هديه، وتحلل وطاف بالبيت..
ثم بعد أن أتم مناسك الحج عاد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة..
من أخلاقه عليه الصلاة والسلام
شرّف الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأكرم الأخلاق وأبرِّها وأعظمها: فقد كان أشجع الناس، كريماًجواداً وأجود ما يكون في رمضان. وكان أشد الناس حياءً، وأعلم الخلق بربه وأتقاهم وأخشاهم له، وكان أفصحهم نطقاً، وأنصح الخلق للخلق، وأحلم الناس، وأشدهم تواضعاً .
فهو صلى الله عليه وسلم كما قال عنه ربه جل وعلا:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ}، وامتنّ تعالى على عباده ببعثته فقال سبحانه: {لَقَد جاءَكُم رَسولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتُّم حَريصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنينَ رَءوفٌ رَحيمٌ}.
قال أبو أسامة زيد الأنصاري:
نـبيٌّ حـباه الله كلَّ فضـيـلـةٍ
فمنطقه وحيٌ وأفعاله شرعُ
شمـائله حُسنٌ وأخلاقـه سنًى
ومنطقه فصلٌ وإحسانه طبعُ
ولـو كان فظًا أو غـلـيظًا فـؤاده
لفارقه الأدنى وضاق به الذرع
ولكنه خير الأنام جميعهم
فقد طاب منه الوصفُ والأصلُ والفرعُ.
أمهات المؤمنين .
تزوج صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة امرأة :
خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت خزيمة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة هند بنت أبي أمية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حيي بن أخطب، وميمونة بنت الحارث الهلالية، رضي الله عنهن.
وسريّته مارية القبطية أم ولده إبراهيم، وريحانة القرظية.
أعمامه وعماته :
١- الحارث والد: نوفل وأبو سفيان وربيعة.
٢- أبو طالب: اسمه عبد مناف، والد: عقيل وجعفر وعلي. رضي الله عنهم، وأكبرهم طالب مات قبل الإسلام.
٣- عبد الله، والد النبي صلى الله عليه وسلم شقيق أبي طالب.
٤- الزبير، والد ضباعة..
٥- أبو لهب عبد العزى
٦- المقوم
٧- الغيداق
٨- ضرار.
ماتوا على الكفر ،
وأسلم:
٩- حمزة
١٠- والعباس رضي الله عنهما.
وعماته صلى الله عليه وسلم:
١-صفية بنت عبد المطلب: أم الزبير بن العوام، شقيقة حمزة رضي الله عنهم.
٢- عاتكة :
والدة أم سلمة، هند بنت أبي أمية، وأخوها عبد الله بن أبي أمية رضي الله عنهما..
قيل أنها أسلمت.
٣- أميمة بنت عبد المطلب:
أم زينب بنت جحش وعبد الله بن جحش رضي الله عنهما.
٤- أروى : أم طليب بن عمرو رضي الله عنه.
٥- أم حكيم البيضاء، شقيقة عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم: وهي أم أروى بنت كريز والدة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
٦- برة بنت عبد المطلب: أم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، زوج أم سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمته.
أخواله وخالاته عليه الصلاة والسلام
لم يكن لأمه آمنه أشقاء ، ولكن لها أخ وأخت لأب، وهما :
١- عبد مناف.
٢-وفاطمة.
وأخت لأم وهي:
٣-هالة بنت وهيب، وقيل: وهب.
تزوجها جده عبد المطلب فولدت له حمزة.
وفاته صلى الله عليه وآله وسلم.
بعد عودته صلى الله عليه وآله وسلم من الحج مرض بالحمى، فلما اشتد به المرض قال: "مروا أبابكر فليصل بالناس".
ثم لحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى في يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، بعد أن بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، وقرّت عينه عليه الصلاة والسلام بما فتح الله على عباده من هذا الدين، وأخرجهم الله عز وجل من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن الذلة إلى عز الدنيا والآخرة.
فنشهد أنه صلى الله عليه وسلم قد بلّغ البلاغ المبين، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
فجزاه الله عنا خير ما جزى النبيين، وصلى الله وسلم عليه وعلى آله عدد ما خلق وما هو خالق.
•••
محمد بن علي بن محمد الشيخي
١٤٤٢/٤/٤هجرية
……………
••المراجع ••
١- صفوة السيرة النبوية لابن كثير ط١٤٢٤/٣ - القاهرة
٢- السيرة النبوية لابن هشام دار الفكر - القاهرة
٣- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن لابن سعدي ط١٤١٤/٣
٤- زاد المعاد لابن القيم ط١٤٠٢/٣ دار الرسالة - بيروت.
تعليقات
إرسال تعليق